محمد هادي معرفة

96

التمهيد في علوم القرآن

ما تنقص رتبته عن ذلك ، وليس معجزا ، وعلى هذا يكون المعجز إنّما كان من جهة عدم العلم باحكام تأليف هذه الكلمات ، فقد ملكوا القدرة على آحادها ، وملكوا القدرة على نوع من تأليفها ممّا لم يكن معجزا ، فأمّا ما كان معجزا من التأليف فلم يكونوا مالكين له ، فحصل من مجموع ما ذكرناه ، أنّ الإعجاز ليس إلّا تأليف هذه الكلمات على حدّ لا غاية فوقه ، فإلى هذا يرجع الخلاف ، ويحصل التحقّق بأنّ عجزهم إنّما كان من جهة عدم العلم بهذا التأليف المخصوص في الكلام ، لا يقال فحاصل هذا الجواب أنّ اللّه تعالى لم يخلق فيهم العلم بإحكام التأليف الذي يحتاج إليه في كون الكلام معجزا ، وهذا قول بمقالة أهل الصّرفة ، فإنّ حاصل مذهبهم هو أنّ اللّه تعالى سلبهم الداعي إلى معارضة القرآن ، وأعدم عنهم العلوم التي لأجلها يقدرون على المعارضة ، وأنتم قد زيفتم هذه المقالة وأبطلتموها ، فقد وقعتم فيما فررتم منه ، لأنّا نقول هذا فاسد فإنّا نقول إنّهم عادمون لهذه العلوم قبل المعجز وبعده ، وأنّها غير حاصلة لهم في وقت من الأوقات فلهذا استحال منهم معارضة القرآن كمّا قرّرناه من قبل ، بخلاف مقالة أهل الصّرفة فإنّ عندهم أنّ علوم التأليف كانت حاصلة معهم قبل ظهور المعجز ، لكن اللّه تعالى سلبهم إيّاهم كما مرّ تقريره ، فلهذا كان ما ذكرناه مخالفا لما قالوه . السؤال الثاني : لو كانت الفصاحة هي الوجه في كون القرآن معجزا لما كان فيه دلالة على صدق الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) وقد تقرّر كونه دالّا على صدقه ، فيجب أن لا يكون الوجه في إعجازه هي الفصاحة ، بل الصّرفة كما تقول أصحابها ، أو وجه آخر غير الفصاحة ، وإنّما قلنا : انّه لو كان الوجه في إعجازه الفصاحة لما كان فيه دلالة على الصدق ، فلأنّ الدلالة على الصدق إنّما تقع إذا كانت موجودة من جهة اللّه تعالى إلّا أنّه تعالى ليس فاعلا للفصاحة من جهة أنّ الفصاحة المرجع بها إلى خلوص الكلام من التعقيد ، والبلاغة ترجع