محمد هادي معرفة
77
التمهيد في علوم القرآن
الثانية : قد أفلح من هينم في صلاته وأطعم المسكين من مخلاته واجتنب الرجس وفعلاته ، بورك في بقره وشاته . . . ولم يشك الجمع في أنّ ما قرأه سورتان من القرآن . فان قلت : لم لا يجوز أن يكون إعجازه نشأ من جهة ما فيه من الأنباء السالفة واللاحقة ولم يكن ذلك شأن العرب . . قلت : قد ذهب إلى هذا المذهب قوم ، لكن ليس الإعجاز منحصرا في ذلك ، بل نظمه المخصوص معجز على ما قال تعالى : لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، والمراد النظم بدليل فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وليس في كل سورة إخبار بالغيب ، دلّ على أنّ المراد نظمه . فإن قلت : الضمير في « مثله » عائد إلى اللّه تعالى . قلت : يضعّفه قوله تعالى قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ « 1 » والسياق واحد . فإن قلت : الواحد من العرب قد يؤلّف الخطبة أو القصيد ويعجز غيره عن مثلها ، ولم يعد ذلك معجزا ، كما تراه من خطب علي عليه السّلام وكلام قسّ وشعر امرئ القيس والأعشى وغيرهما من المتقدّمين والمتأخّرين . ولقد ألّف الناس كتبا في الفنون وصنّفوا خطبا اعترف بأنّها يتيمة دهر وفريدة عصر ! قلت : أين النبع من الغرب ، والصبر من الضرب « 2 » وهل يحتوي كتاب أو يشتمل خطاب على ما اشتمل عليه كتاب اللّه تعالى من سهولة لفظ وجزالته وبلاغة معنى وغرابته ، وعجائب لا تنقضي وعرائس في نفائس الحلي تنجلي ، ومن ثمّ قالوا : « انّ له لحلاوة وأنّ عليه لطلاوة وأنّ أسفله لمعرق وأنّ أعلاه لمثمر » . وعن ابن مسعود : « إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات
--> ( 1 ) هود : 13 . ( 2 ) النبع : شجر للقسي والسهام ينبت في رؤوس الجبال . والغرب : نبت ضعيف ينبت على الأنهار . الصبر : عصارة شجر مرّ . الضرب : العسل .