محمد هادي معرفة

78

التمهيد في علوم القرآن

أتأنّق فيهنّ » . أي اتتبّع محاسنهنّ . لم يقل ذلك من أجل أوزان الكلمات ولا من أجل اعرابها ولا من أجل الفواصل في أواخر الآيات ، ولا من أجل التأليف فقط ، بل ذلك راجع إلى دقّة النظم مع زيادة الفائدة . هذا وأنه لصادر على لسان من لم يمارس الخط والخطب وينافس في معرفة الدّر من المخشلب « 1 » وإذا جعلت الكلمات اليسيرة من عيسى ( عليه السّلام ) آية ، مع أنّها الجارية من الأكابر عادة ، فلئن تجعل الغايات الكثيرة والسورة الطويلة المشتملة على أصناف فنون الآداب والفصاحة والبلاغة التي يعجز عنهما الوصف ويكلّ دونهما حدّ الطرف ، من رجل حاله ما سبق ، أحرى وأولى . وسأوضّح لك ذلك بشيء من دقيق المسالك ، منه فواتح السّور التي هي حروف هجاء وإذا نظرتها ببادي الرأي وجدتها ممّا يكاد يمجّه السمع ويقلّ به النّفع ، مع أنّها من الحسن ترفل في أثواب الحبر ويقصر عنها دقيق النظر ، وذلك من وجوه : الأوّل : إنّها كالمهيّجة لمن سمعها من الفصحاء والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل والأخذ في التفاضل . ألا تراها بمنزلة زمجرة الراعد قبل الماطر في الاعلام لتعي الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أفيض عليها من الأنعام وتخاف مواقع الانتقام بما فيه من العجمة التي لا تؤلّف الكلام . وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف على معانيه بعد حفظ مغانيه . بل حكم الدواعي الجبليّة أن تبعث على ذلك اضطرارا لا اختيارا ، لا سيّما وهي صادرة عن رجل عليه مهابة وجلالة قد قام مقام أولي الرسالة وكشف ما هم عليه من الجهالة والضلالة وتواعدهم بأنّ الهلكات نازلة بهم لا محالة . الثاني : التنبيه على أنّ تعداد هذه الحروف ممّن لم يمارس الخطّ ولم يعان النظر فيه ، على ما قال تعالى :

--> ( 1 ) يقال : أراه الدر مخشلبا ، وهو : خرز من محارة البحر وليس بدر .