محمد هادي معرفة

71

التمهيد في علوم القرآن

وأمّا القائلون بأنّ إعجازه بالفصاحة والنظم معا ، قالوا : إنّا رأينا النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) أرسل التحدّي إرسالا وأطلقه إطلاقا ، والمتفاهم من الإطلاق هو التحدّي بهما معا ، لأنّ العادة عند العرب جارية في التحدّي باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة ، كما في تحدّي شعراء العرب وخطبائهم في الشعر والخطابة ، ليس في الفصاحة فقط ، وإنّما هي مع نظمه العروضي وأسلوبه الإيقاعي أيضا . هذا هو المتبادر إلى الذهن حينذاك من التحدّي . على أنّ التحدّي لو كان بمجرد الفصاحة لوقعت المعارضة ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم ، إذ قد يخفى الفرق بين قصار السور وفصيح كلام العرب . فكان يجب أن يعارضوه ، فإذا لم يفعلوا ، فلأنّهم فهموا من التحدّي مجموع الفصاحة وطريقة النظم معا ، إذا لم يجتمعا لهم ، واختصاص القرآن بنظم يخالف سائر ضروب الكلام المعروفة عند العرب . وقد قال المرتضى : إنّ التحدّي وقع بالإتيان بمثله في فصاحته وطريقته في النظم ، ولم يكن بأحد الأمرين ، فلو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز منظوم أو بمنثور من الكلام ليس له طريقة القرآن في النظم ، لم تكن واقعة موقعها ، والصرفة على هذا إنّما كانت بأن يسلب اللّه كل من رام المعارضة ، للعلوم التي يتأتى معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم . ولهذا لا يصاب في كلام العرب ما يقارب القرآن في فصاحته ونظمه . وأمّا القائلون بأنّ إعجاز القرآن بالنظم المخصوص ، قالوا : وجدنا الكلام منظوما ومنثورا والمنظوم هو الشعر ، وأكثر الناس لا يقدرون عليه ، فجعل اللّه معجز نبيّه النمط الذي يقدر عليه كلّ أحد ولا يتعذّر نوعه في كلّهم ، وهو الذي ليس بمنظوم ، فيلزم حجّته الجميع . قال : والذي يجب أن يعلم - في العلم بإعجاز القرآن - هو أن يعلم مباني