محمد هادي معرفة
72
التمهيد في علوم القرآن
الكلام وأسباب الفصاحة في ألفاظها ، وكيفيّة ترتيبها ، وتباين ألفاظها ، وكيفيّة الفرق بين الفصيح والأفصح ، والبليغ والأبلغ ، وتعرف مقادير النظم والأوزان ، وما به يبين المنظوم من المنثور وفواصل الكلام ، ومقاطعه ، ومبادئه ، وأنواع مؤلّفه ومنظومه . ثمّ ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنّه من أيّ نوع هو ، وكيف فضّل على ما فضّل عليه من أنواع الكلام ، حتى يعلم أنّه من نظم مباين لسائر المنظوم ، ونمط خارج من جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم ، من أنواع الخطب والرسائل والشعر والمنظوم والمنثور والرجز والمخمّس والمزدوج والعريض والقصير . فإذا تأمّلت ذلك وتدبّرت مقاطعه ومفاتحه ، وسهولة ألفاظه ، واستجماع معانيه ، وأنّ كلّ واحد منها لو غيّرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة ، وأدلّ على المعنى منها ، وأجمع للفوائد والزوائد منها . وإذا كان كذلك ، فعند تأمّل جميع ذلك ، يتحقّق ما فيه من النظم اللائق ، والمعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة ، وإن اجتهد البليغ والخطيب . قال : وفي خواص نظم القرآن وجوه : أوّلها : خروج نظمه عن صورة جميع أسباب المنظومات ، ولولا نزول القرآن لم يقع في خلد فصيح سواها ، وكذلك قال عتبة بن ربيعة لمّا اختاره قريش للمصير إلى النبي ( عليه السّلام ) ، قرأ عليه حم السجدة ، فلمّا انصرف قال : سمعت أنواع الكلام من العرب ، فما شبّهته بشيء منها ، إنّه ورد عليّ ما راعني . ونحوه ما حكى اللّه عن الجنّ . فلمّا عدم وجود شبيه القرآن من أنواع المنظوم ، انقطعت أطماعهم عن معارضته . والخاصّة الثانية : في الروعة التي له في قلوب السامعين ، فمن كان مؤمنا يجد