محمد هادي معرفة

70

التمهيد في علوم القرآن

وأمّا القائلون بأنّ إعجازه الفصاحة قالوا : إنّ اللّه جعل معجزة كلّ نبيّ من جنس ما يتعاطاه قومه ، فقد كان الغالب على قوم موسى ( عليه السّلام ) السحر ، فكانت معجزته العصا واليد البيضاء ، فعرفوا ، أنّه فوق متعاطاهم فآمنوا . وكذلك كان الغالب في زمن عيسى ( عليه السّلام ) الطبّ ، فأظهر اللّه على يده إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ممّا لا يناله الطبّ فآمنوا به . فهكذا لمّا كان زمن محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) الغالب على قومه الفصاحة والبلاغة حتى كانوا لا يتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها ، جعل اللّه معجزته من ذلك القبيل ، فأظهر على يديه هذا القرآن ، وعلم الفصحاء منهم أنّ ذلك ليس من كلام البشر ، فآمنوا به . ولهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) كالأعشى مدح رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بقصيدة وأراد أن يؤمن ، فدافعه قريش وجعلوا يحدّثونه بأسوإ ما يقدرون عليه ، فلم يزالوا بالسعي حتى صدّوه . وجاء لبيد وآمن برسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) وترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن . . قالوا : ومن خالفنا في هذا الباب يقول : إنّ المعجز قد يلتبس بالحيلة لكنّه إذا لم يكن طريق إلى الفصل بينهما ، وهاهنا وجوه من الفصل ، منها : إنّ المعجز إنّما يظهر عند من يكون من أهل هذا الباب ويروّج عليهم ، والحيلة إنّما تظهر عند العوام وتروّج على الجهّال . فإن قيل : النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) مبعوث إلى العرب والعجم ، فإذا كان إعجاز القرآن من حيث الفصاحة ، فإنّ العجم لا يمكنهم ذلك . قلنا : الفصاحة ليست بمقصورة على لغة دون أخرى . على أنّه يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة ، إذا علموا أنّه تحدّى فصحاء العرب فأعجزهم ، وفي ذلك كفاية .