محمد هادي معرفة
69
التمهيد في علوم القرآن
وأمّا القول الثالث والرابع فكلاهما مأخوذ من قوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » فحمل الأوّلون ذلك ، على المعنى ، والآخرون على اللفظ . والآية مشتملة عليهما عامّة ، ويجوز أن يكون كلا القولين معجزا على بعض الوجوه ، لارتفاع التناقض فيه ، والاختلاف فيه ، على وجه مخالف للعادة . وأمّا من جعل جهة إعجازه ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب ، فذلك لا شك أنّه معجز ، لكن ليس هو الذي قصد به التحدّي ، لأنّ كثيرا من القرآن خال من الإخبار بالغيب ، والتحدّي وقع بسورة غير معيّنة . وأمّا الذين قالوا : إنّما كان معجزا لاختصاصه بأسلوب مخصوص ، ليس بمعهود ، فإنّ النظم دون الفصاحة ، لا يجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الإطلاق ، لأنّ ذلك لا يقع فيه التفاضل ، وفي ذلك كفاية ، لأنّ السابق إلى ذلك لا بدّ أن يقع فيه مشاركة لمجرى العادة كما تبيّن . وأمّا من قال : إنّ القرآن نظمه وتأليفه مستحيلان من العباد ، كخلق الجواهر والألوان فقولهم به على الإطلاق باطل ، لأنّ الحروف كلّها من مقدورنا ، والكلام كلّه يتركب من الحروف التي يقدر عليها كلّ متكلّم ، وامّا التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن ، لأنّ حقيقته في الأجسام ، وإنّما يراد من القرآن حدوث بعضه في أثر بعض ، فإن أريد ذلك فهو إنّما يتعذّر لفقد العلم بالفصاحة وكيفيّة إيقاع الحروف ، لا أنّ ذلك مستحيل ، كما أنّ الشعر يتعذّر على العجم لعدم علمه بذلك ، لا أنّه مستحيل منه من حيث القدرة ، ومتى أريد استحالة ذلك بما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى « 2 » .
--> ( 1 ) النساء : 82 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 89 ص 127 - 130 .