محمد هادي معرفة

60

التمهيد في علوم القرآن

الحرب كانوا في الأغلب مغلوبين مقهورين ، فكان يجب أن يقوموا بالمعارضة فإن انجعت والّا عدلوا إلى الحرب . فإن قالوا : خافوا أن يلتبس الأمر فيظنّ قوم أنّه ليس مثله . قيل : قد حصل المطلوب ، لأنّ الاختلاف حينذاك يوجب الشبهة ، فكان أولى من الترك الذي يقوى معه شبهة العجز . وليس لهم أن يقولوا : لم تتوفر دواعيهم إلى ذلك . لأنّهم تحمّلوا المشاق ، والعاقل لا يتكلّف ذلك إذا لم تتوفّر دواعيه إلى إبطال دعوى خصمه . فإن قالوا : إنّما لم يعارضوه ، لأنّ في كلامهم ما هو مثله أو مقاربه . قلنا : هذا غير مسلّم . وعلى فرض التسليم فان التحدّي وقع لعجزهم فيما يأتي ، فلو كان في كلامهم مثله فهو أبلغ لعجزهم في تحقّق التحدّي بالعجز عن الإتيان بمثله في المستقبل . فإن قيل : واطأه قوم من الفصحاء . قيل : هذا باطل ، لأنّه كان ينبغي أن يعارضه من لم يواطئه ، فإنّهم وإن كانوا أدون منهم في الفصاحة ، كانوا يقدرون على ما يقاربه - على الفرض - لأنّ التفاوت بين الفصحاء لا ينتهي إلى حدّ يخرق العادة . على أنّ الفصحاء المعروفين والبلغاء المشهورين في وقته ، كلّهم كانوا منحرفين عنه ، كالأعشى الكبير الذي في الطبقة الأولى ومن أشبهه مات على كفره ، وكعب بن زهير ، أسلم في آخر الأمر ، وهو في الطبقة الثانية ، وكان من أعدى الناس له ( عليه السّلام ) ولبيد بن ربيعة ، والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة ، أسلما بعد زمان طويل ، ومع ذلك لم يحظيا في الإسلام بطائل . على أنّه لو كان لكان ينبغي أن يوافقوه على ذلك ويقولون له : الفصحاء المبرزون واطئوك ووافقوك ، فإنّ الفصحاء في كلّ زمان لا يخفون على أهل الصناعة . فان قيل : لم لا يكون النبيّ ( عليه السّلام ) وهو أفصح العرب ، قد تأتّى منه القرآن ، وتعذّر على غيره ، أو تعمله في زمان طويل فلم يتمكّنوا من معارضته في