محمد هادي معرفة
275
التمهيد في علوم القرآن
فتزبد من تيه عليها كأنّها * غريزة خدر قد تخبّطها المسّ « 1 » فلو أنّ في هذا كلّ بديع لكان مقيتا بشعا ، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئا يشبّه بزبد المصروع وقد تخبّطه الشيطان من المسّ . . . قال : وكأنّي أرى بعض من لا يحسن إلّا الاعتراض بلا حجّة ، قد نعى عليّ هذا المذهب ، وقال : ردّ على امرئ القيس ، ولم أفعل ، ولكنّي بيّنت أنّ طريق العرب القدماء في كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله . . . « 2 » وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة : نظرت إليك بحاجة لم تقضها * نظر السقيم إلى وجوه العود « 3 » على أنّه تشبيه لا يلحق ، ولا يشقّ غبار صاحبه . ولم يجد فيه المطعن إلّا بذكر السقيم ، فإنّه رغب عن تشبيه المحبوبة به ، وفضّل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي : وكأنّها وسط النساء أعارها * عينيه أحور من جآذر جاسم « 4 » وسنان أقصده النعاس فرنّقت * في عينه سنة وليس بنائم « 5 » وأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني « 6 » على أنّه لم يقع لأحد مثله وهو : فلطّت بأيديها ثمار نحورها * كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع « 7 » فهذا تشبيه مصيب جدا ، الّا أنّهم عابوه بما بيّنت ، وإنما أشار إلى قول النابغة :
--> ( 1 ) الغرير والغريرة : الشابّ والشابة في مطلع شبابهما لا تجربة لهما في الحياة . ( 2 ) العمدة : ج 1 ص 301 . ( 3 ) العود : جمع العائدة التي تعود المريض المترقب لها . ( 4 ) الجآذر : جمع الجوذر ، ولد البقرة الوحشيّة . ( 5 ) وسنان : من غلبه النعاس ، أقصده : طعنه فلم يخطئه . رنّق بالمكان : أقام فيه واحتبس به . ( 6 ) صريع الغواني : مجنونهنّ ، كناية عن امرئ القيس . ( 7 ) لطّ الشيء : ستره . وثمار النحور كناية عن الثديين .