محمد هادي معرفة
203
التمهيد في علوم القرآن
القرآن ، عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم . فلمّا سمعوا قول اللّه عزّ وجل وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق . . . « 1 » . وفي المجمع : فلمّا اخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية ، فقال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام ولا يشبه كلام المخلوقين ، وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا . . . « 2 » . قال الزمخشري : ولما اشتملت عليه الآية من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم ، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله ( ابلعي ) و ( أقلعي ) وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن ، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللّبّ وما عداها قشور . . . « 3 » . سنأتي على محاسن الآية ودقائق مزاياها - بتقرير من جهابذة الفن - عند ذكر الشواهد على النكت البلاغيّة في القرآن ، في فصل قادم إن شاء اللّه . جذبات وجذوات « 4 » اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ « 5 » .
--> ( 1 ) العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 211 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 5 ص 165 . ( 3 ) الكشاف : ج 2 ص 398 . ( 4 ) من تلك الجذوة التي جذبت موسى عليه السّلام نحو الشجرة فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ القصص : 30 . . ( 5 ) الزمر : 23 .