محمد هادي معرفة
204
التمهيد في علوم القرآن
نعم هو أحسن حديث سمعته العرب بل البشرية جمعاء ، كتابا متشابها ، لا يختلف أسلوبه في التعبير والأداء ، في أبدع لفظ وأفخم معنى ، في روعة وأناقة وإكبار ، لا يختلف أوّله عن آخره ولا أطرافه عن وسطه . مثاني ، تتكرّر قراءته من غير ملل ، ولا كسل ، بل هو المسك ما كرّرته يتضوّع . إنّها الأنفس البشريّة تهتزّ وجدا عند استماعه ، وتطرب خفّة عند تلاوته ، إنّها جذبة روحيّة تنجذب النفس انجذابا من داخلها حيث جذوات الروح الملتهبة وليس وهما أو خيالا شعريا في تيه الهيام . إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 1 » . نفوس مستعدّة : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ « 2 » . نعم ، تلك قلوب واعية تتفتّح مساربها تلقاء آيات الذكر الحكيم ، لا لشيء سوى أنّها نفوس مستعدّة صنعها خالق السماء وها هي كلماته المشرقة وجدت مواضعها فهبطت إليها . وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ « 3 » . وفد نصارى نجران : جاءت ركب النصارى عشرون رجلا أو قريب من ذلك ، إلى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) وهو بمكة ، حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلّموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما
--> ( 1 ) ق : 37 . ( 2 ) فصلت : 3 . ( 3 ) المائدة : 83 .