محمد هادي معرفة

179

التمهيد في علوم القرآن

وبعض قريض القوم أبناء علّة * يكدّ لسان الناطق المتحفّظ وأيضا : وشعر كبعر الكبش فرّق بينه * لسان دعيّ في القريش دخيل واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفّته وسهولته ، واللفظة كأنّها حرف واحد ، وأنشد قول الثقفي . من كان ذا عضد يدرك ظلامته * إنّ الذليل الذي ليس له عضد تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره * ويأنف الضيم إن أثرى له عدد « 1 » اذن فالنظم نظم ، ووزنه وزن شعر ، لكن شتّان ما بين النظمين ، هذا عذب فرات ، وذاك ملح أجاج ، في هذا سهولة وفي ذاك وعورة . وهكذا القرآن ، فاق سائر الكلام في عذوبة نظمه ، وسهولة أسلوبه ، في روعة وأناقة وجلال ، وهذا من سرّ إعجازه الخارق . . وأمّا الدليل الذي أقاموه ، من أنّ القادر على الأبعاض قادر على الجملة . . . فقد أجاب عنه التفتازاني بأنّ حكم الجملة يخالف حكم الأجزاء ، ولو صحّ ما ذكر لكان كلّ من آحاد العرب قادرا على الإتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئ القيس وأضرابه . وأمّا تردّد الصحابة في بعض الآيات والسور ، فلعلّه كان لرعاية الاحتياط والاحتراز عن أدنى ملابسة . . . على أنّ الإعجاز في جميع مراتبه وفي جميع الآيات ، ليس ممّا يظهر لكلّ أحد على سواء . . « 2 » . قوله : لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين . . . هذا إذا كان التحدّي ناظرا إلى جانب النظم والأسلوب فحسب ، أمّا إذا كانت فضيلة الكلام هي الملحوظة في هذه المباراة ، والمقصودة من تلك المباهاة ، فهذا ممّا لا يفترق فيه بين منظوم الكلام ومنثوره ، شعره وخطبه ، في

--> ( 1 ) ينبو السيف : يكلّ ولا يكون قاطعا . وأثرى : كثر وتوفّر . ( 2 ) شرح المقاصد : ج 2 ص 184 .