محمد هادي معرفة

180

التمهيد في علوم القرآن

أيّ صيغة بني عليها الكلام أو رصفت حروفه وكلماته ، ما دامت العبرة بجودة التعبير وحسن الأداء ، هذا . . ولا سيّما قد أطلق التحدي في القرآن إطلاقا : لو يأتوا بحديث مثله . . أي في شرف الكلام وفضيلته . . . شعرا منظوما أو كلاما منثورا . . . أيّا كان نمطه إذا كان يماثله في الأبّهة والبهاء . . . ومع ذلك فقد كلّت قرائحهم أن يقابلوه وضنّت أذهانهم أن يعارضوه . . لمّا رأوه فوق مستواهم السحيق ، فقصرت الأيدي أن تناله وهو في مستواه ذلك الرفيع . وفي الختام نعود على ما بدأنا به من توجيه كلام الشريف المرتضى في الصرفة ، بأنّها من جهة فقد العرب للإمكانات اللازمة في صياغة كلام مثل القرآن ، فقد سلبوا التوفيق عليه وخذلهم اللّه على إصرارهم في معاندة الحقّ . فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم ، واللّه لا يهدي القوم الفاسقين . دحض : شبهة الصرفة : هذا وقد هبّ العلماء جميعا قديما وحديثا يفنّدون مزاعم القول بالصرفة ، إمّا برهانا عقليا أو خطابة وجدلا بالتي هي أحسن ، في دلائل ومسائل نعرض أهمّها ونقتصر عليها ، لأنّ فيها الكفاية والوفاء . وقبل أن نرد التفصيل نقدّم خلاصة من تلك الردود والدلائل : أوّلا : مخالفة هذا المذهب لظاهرة التحدّي القائمة على المباهاة ، ولا مباهاة على صنيع لا ميزة فيه سوى سلطة صانعه على منع الآخرين قهريّا من مماثلته ! كمن باهى بوضع يده على رأسه وتحدّى الآخرين أن يصنعوا بمثله ، لكنّهم لمّا أرادوا مماثلته أخذ بيدهم ومنعهم من ذلك منعا ، أفهل يعدّ ذلك من المباهاة ؟ ! أو كمن استهدف غرضا دقيقا مباهيا ، لكنّه سلب صاحبه بندقته ، ولولاه لتمكّن من مماثلته . . . ليس هذا تحدّيا ولا مباهاة البتة . . والخلاصة : أنّ المباهاة بالصنيع إنّما تتعقّل إذا كان الصنيع ذاته مشتملا على مزيّة خارقة وبديعة عجيبة ، ليس إلّا .