محمد هادي معرفة
170
التمهيد في علوم القرآن
أوّلا : قوله النظّام ( مبتدع هذه الفكرة ) : أنّ في نثر العرب ونظمهم ما لا يخفى من الفوائد ، يعني : فصاحة بالغة تضاهي فصاحة القرآن . وقد صرّح بذلك الخفاجي والشريف المرتضى . استنادا إلى قوله تعالى - حكاية عن العرب - : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا . . « 1 » يدلّ على أنّ العرب حسبت من نفسها القدرة على الإتيان بمثله سبكا وصياغة . لولا أنّه تعالى صرف هممهم عن النهوض لمقابلته ، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمعارضته . ثانيا : ربط ابن حزم مسألة الإعجاز بمسألة الجبر في الاختيار ، وأن لا ميزة جوهريّة في القرآن لولا المنع الخارجي . واستند إلى ما يوجد في القرآن من تفاوت في درجة البلاغة ، ومن سرد أسماء زعم أن لا عجيبة في نضدها بما يفوق كلام العرب . كما أنّ فيه حكاية أقوال آخرين لم تكن معجزة ، فلمّا حكاها اللّه تعالى في القرآن أصارها معجزة ومنع من مماثلته وحال دون إمكان النطق بمثلها أبدا . قال : وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى أزيد منه . . . وحمد اللّه أن هداه إلى هذا البرهان الكافي الشافي . . لولا أنّ الأستاذ الرافعي سخر من عقليّته هذه الساذجة ، قائلا : بل هو فوق الكفاية ، وأكثر من ذلك أنّه لمّا جعله ابن حزم رأيا له أصاره كافيا ولا يحتاج إلى مزيد بيان ! ثالثا : استند السيّد وأصحابه إلى عدم ظهور فرق بيّن بين قصار السور والمختار من كلام العرب ، وإلّا لما احتيج إلى مراجعة الأذكياء من العلماء . والنظم لا يصحّ فيه التزايد والتفاضل . . كما لا يصحّ معارضة المنثور بالمنظوم . . وقاس الخفاجي تلاؤم الكلمات في الجمل بتلاؤم حروف الكلم . . ليكون خارجا عن اختيار المتكلّم . . . ودليلا على ذلك قالوا : لا شكّ أنّ العرب كانوا قادرين على التكلّم بمثل
--> ( 1 ) الأنفال : 31 .