محمد هادي معرفة

171

التمهيد في علوم القرآن

مفردات الجمل وقصار تراكيبها مثل ( الحمد للّه ) و ( ربّ العالمين ) وهكذا ، فأجدر بهم أن يكونوا قادرين على تراكيب أكبر وجمل أطول . وأيضا فإنّ الصحابة الأوّلين ربّما تردّدوا في آية أنها من القرآن ؟ وكذا بعض السور القصار كالمعوّذتين ، رفض ابن مسعود كونهما منه ! فلو كان النظم والبلاغة هما الكافيين للشهادة على القرآنية ، فما وجه هذا التوقّف وذلك الترديد أو الرفض ؟ ! « 1 » . وأخيرا قوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ أي أصرفهم عن إبطالها بالمعارضة . . . هكذا زعموا . . وقد تقدّم الكلام عليها عند توجيه مذهب السيّد في الصرفة . . مناقشة القول بالصرفة : تلك دلائل استند إليها أصحاب القول بالصرفة في ظاهر الأمر . . لكنّا نعتقد أنّ السبب الداعي لاختيارهم هذا الرأي أمر آخر وراء هذا الظاهر المريب . إذ ليس فيما استمسكوا به ما يبعث على هذا الاختيار ، ولا سيّما وأصحاب هذا القول هم جهابذة أقحاح وأئمّة نقد وتمحيص ، ليسوا أهل تعسّف في الرّأي أو وهن في العقيدة والاختيار ! ومن ثمّ فإنّها دلائل ظاهريّة ومعاذير شكليّة كان خلفها شيء آخر لعلّه رصين ، لأمر ما جدع قصير أنفه ! نعتقد أنّهم واجهوا أولئك الذين قصروا وجه الإعجاز في جانب لفظ القرآن وحروفه وجودة سبكه وأسلوبه . . وهو جانب جدّ خطير ، يعلو به شأن الكلام ويرتفع قدره . . إلّا أنّه ليس بمثابة بحيث يخرجه عن حدّ المعتاد غير الممكن على فصحاء الكلام وبلغاء البيان . . ففي كلام العرب وغيرهم من أمم ذات لغة راقية مقطعات رائعة ، من بديع النظم ورفيع النثر ممّا يبهر ويعجب !

--> ( 1 ) ذكرهما التفتازاني في شرح المقاصد : ج 2 ص 184 .