محمد هادي معرفة
119
التمهيد في علوم القرآن
فقطع لهم أنّهم لن يفعلوا ، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلّا من اللّه ولا يقولها عربي في العرب أبدا ، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة ، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدهر نفيا وتعجزهم آخر الأبد ، فما فعلوا ولا طمعوا قطّ أن يفعلوا ، وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم . . . تأمّل نظم الآية تجد عجبا ، فقد بالغ في اهتياجهم واستفزازهم ليثبت أنّ القدرة فيهم على المعارضة كقدرة الميّت على أعمال الحياة ، لن تكون ولن تقع ! فقال لهم : لن تفعلوا ! أي هذا منكم فوق القوّة وفوق الحيلة وفوق الاستعانة وفوق الزمن ، ثم جعلهم وقودا ، ثمّ قرنهم إلى الحجارة ، ثمّ سمّاهم كافرين . فلو أنّ فيهم قوّة بعد ذلك لانفجرت ، ولكن الرماد غير النار . . . فلمّا رأوا هممهم لا تسمو إلى ذلك ، ولا تقارب المطمعة فيه ، وقد انقطعت بهم كلّ سبيل إلى المعارضة ، بذلوا له السيف ، كما يبذل المحرج آخر وسعه « آخر الدواء الكيّ » واخطروا بأنفسهم وأموالهم ، وانصرفوا عن توهّن حجته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام ، فقالوا ساحر ، وشاعر ، ومجنون ، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين ، وإنّما يعلّمه بشر ، وأمثال ذلك ممّا أخذت به الحجة عليهم وكان إقرارا منهم بالعجز . . . « 1 » . قال : وكان أسلوب الكلام عند العرب قبيلا واحدا وجنسا معروفا ، ليس إلّا الحرّ من المنطق والجزل من الخطاب ، وإلا اطّراد النسق وتوثيق السرد وفصاحة العبارة وحسن ائتلافها . . فلمّا ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق ، ليس في ذلك أعناق ولا معاياة ، غير أنّهم ورد عليهم من طرق نظمه ، ووجوه تركيبه ، ونسق
--> ( 1 ) إعجاز القرآن : ص 169 - 170 .