محمد هادي معرفة
120
التمهيد في علوم القرآن
حروفه في كلماتها ، وكلماته في جملها ، ونسق هذه الجمل في جملته ، ما أذهلهم عن أنفسهم ، من هيبة رائعة وروعة مخوفة ، وخوف تقشعرّ منه الجلود ، حتى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف الملكة ، ورأى بلغاؤهم أنّه جنس من الكلام غير ما هم فيه فاستيأسوا من حقّ المعارضة ، إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة ويحيل الطبع ويخاذل النفس ، مصادمة لا حيلة ولا خدعة . . ولهذا انقطعوا عن المعارضة . . . « 1 » ثم أخذ في بيان وجه هذا الإعجاز وسرّه الكامن وراء جمال لفظه وروعة بيانه ، قال : ذلك بعض ما تهيّأ لنا من القول في الجهات التي اختصّ بها أسلوب القرآن ، فكانت أسبابا لانقطاع العرب دونه وانخذالهم عنه . وتلك أسباب لا يمكن أن يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة ، لأنّها خارجة عن قوى العقول وجماع الطبائع ، ولا أثر لها في نفس كلّ بليغ إلّا استشعار العجز عنها والوقوف من دونها . . . وإنّما تلك الجهات صفات من نظم القرآن ، وطريقة تركيبه ، فنحن الآن قائلون في سرّ الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة وانفراد به ذلك النظم ، وهو سرّ لا ندعي أنّنا نكشفه أو نستخلصه أو ننتظم أسلوبه ، وإنّما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية ونعيّن بعض أوصافه من ناحية ، فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة ، وهو من اللغة كالروح الإلهيّة التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود . . . . . . والكلام بالطبع يتركّب من ثلاثة : حروف هي من الأصوات ، وكلمات هي من الحروف ، وجمل هي من الكلم . وقد رأينا سرّ الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلّها . . . ولهذا النظم طريقة خاصّة اتّبعها القرآن الكريم كانت غريبة على العرب وفي نفس الوقت رائعة تستأنس إليها النفوس ! إنّ طريقة النظم التي اتّسقت بها ألفاظ القرآن ، وتألّفت لها حروف هذه
--> ( 1 ) المصدر : ص 188 - 189 .