محمد هادي معرفة

111

التمهيد في علوم القرآن

زقزقة العصفور وصيحة الديك . . فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنك تسمع الألفاظ تتفجر . . وترى المعمار القرآني كلّه له جلجلة . اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد : وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ « 1 » . إنّ الآيات كلّها تصرّ فيها الرياح وتسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأرض الخراب . والصور القرآنية كلّها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المحكمة والألفاظ التي لها جرس وصوت وصورة . ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لا يترجم . إنّه قرآن في لغته ، أمّا في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن . . إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا « 2 » وفي هذا تحديد فاصل . وكيف يمكن أن تترجم آية مثل : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 3 » . إنّنا لسنا أمام معنى فقط ، وإنّما نحن بالدرجة الأولى أمام معمار . . أمام تكوين وبناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ، من قلبها لا من حواشيها ، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظلالها وخوافيها . . ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصّية عجيبة . . . إنّها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد أن تلامس الأذن وقبل أن يتأمل العقل معانيها . . لأنّها تركيب موسيقي يؤثّر في الوجدان والقلب لتوّه ومن قبل أن يبدأ العقل في العمل ، فإذا بدأ العقل يحلّل ويتأمّل فإنّه سوف يكتشف أشياء جديدة وسوف يزداد خشوعا . . ولكنّها مرحلة ثانية . . قد تحدث وقد لا تحدث وقد تكشف لك الآية عن سرّها وقد لا تكشفه . . . وقد تؤتى البصيرة التي تفسّر بها معاني القرآن وقد

--> ( 1 ) الحاقة : 6 - 7 . ( 2 ) يوسف : 2 . ( 3 ) طه : 5 .