محمد هادي معرفة

112

التمهيد في علوم القرآن

لا تؤتى هذه البصيرة . . ولكنك دائما خاشع ، لأنّ القرآن يخاطبك أوّلا كمعمار فريد من الكلام . . بنيان . . فورم . . طراز من الرصف يبهر القلب . . ألقاه عليك الذي خلق اللغة ويعرف سرّها . . . « 1 » . 3 - وللدكتور محمد عبد اللّه دراز ، نظرة مشابهة ، يجعل من إعجاز القرآن في قشرته السطحيّة ، في جانبي جماله التوقيعي وجماله التنسيقي ، إلى جنب محتواه من جلائل أسرار . فإنّه جلّت قدرته أجرى سنّته في نظام هذا الكون أن يغشى جلائل أسراره بأستار زاهية بمتعة وجمال . قال : إنّك إذا استمعت إلى القارئ المجوّد يقرأ القرآن يرتّله حقّ ترتيله ، نازلا بنفسه على هوى القرآن ، وليس نازلا بالقرآن على هوى نفسه . . ستجد اتساقا وائتلافا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر ، على أنّه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر . وستجد شيئا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر . ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهبا متقاربا . فلا يلبث سمعك أن يمجّها ، وطبعك أن يملّها ، إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد ، بينما أنت من القرآن أبدا في لحن متنوّع متجدّد ، تنقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل « 2 » على أوضاع مختلفه يأخذ منها كلّ وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء ، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم . بل لا تفتأ تطلب منه المزيد . هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممّن يسمع القرآن ،

--> ( 1 ) القرآن ، محاولة لفهم عصري ، مصطفى محمود - دار المعارف بمصر - سنة 1976 . فصل ( المعمار القرآني ) : ص 12 - 19 . ( 2 ) مصطلحات موسيقية : الحرف المتحرك يتلوه حرف ساكن يقال لها « سبب خفيف » والحرفان المتحرّكان يتلوهما ساكن « وتد مجموع » . والحرفان المتحرّكان لا يتلوهما ساكن « سبب ثقيل » . والحرفان المتحرّكان يتوسّطهما ساكن « وتد مفروق » . وثلاثة أحرف متحرّكة « فاصلة صغيرة » ، وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن « فاصلة كبيرة » .