محمد هادي معرفة

8

التمهيد في علوم القرآن

تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 1 » « 2 » فقد يفهم البعض - ممّن هبط مستواه - أنّ للّه سبحانه كرسيا هو جالس عليه ، ولا يتوقف في مدلولها الظاهري . وكقوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ « 3 » ، فيحسب ذوو الافهام الساذجة أنّ الربّ تعالى يكشف عن ساقه ويدعو الكفار إلى السّجود امامه ، كما هو ظاهرها اللفظي السطحي . . . « 4 » في حين أنّه لا موضع في مثل تلك الآيات للابهام ولا للريب والشبهة إذا ما تعمّق النظر الدقيق . . . وسيأتي . . . وقد تكون الآية مبهمة في إفادة المعنى المراد ، وليس فيها موضع تشابه ولا هي موضع ريب . فهي إلى التفسير أحوج منها إلى التأويل ، كقوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ « 5 » . فالآية بأمسّ حاجة إلى تفسير يجيب على عدة أسئلة يبعثها إبهام في ظاهر الآية أولا : ما هو المقصود من الخلافة هنا ، وكيف صار آدم خليفة اللّه في الأرض ؟ . وثانيا : كيف تحقّق هذا التعليم الذي باهى اللّه به ملائكته ؟ . وثالثا : ما هي الأسماء التي خص بمعرفتها الإنسان دون غيره على الإطلاق ؟ . ورابعا : كيف استسلمت الملائكة لهذه المباهاة ، واعترفت بعجزها وخضعت للسّجود لآدم مع الأبد ؟ . وخامسا : ما كانت نوعيّة سجود الملائكة لآدم ، بما لا يتنافى وبطلان العبادة لغير اللّه تعالى ؟ . وسيوافيك تفصيل الجواب « 6 » .

--> ( 1 ) طه : 5 . ( 2 ) الاستواء على العرش كناية على الاستيلاء على ازمّة الأمور ، كقوله : « قد استوى بشر على العراق . . . » أي استولى على حكم البلاد . . . ( 3 ) القلم : 42 . ( 4 ) في حين ان الساق تستعمل بمعنى الشدّة والجدّ في الأمر . كقولهم : « قامت الحرب على ساق » أي اشتدّت . فقوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ كناية عن جدّ الأمر يومذاك . رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ - يونس : 30 ، وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ - الأعراف : 8 . ( 5 ) البقرة : 31 . ( 6 ) ملخصه : إن الخلافة هنا هي : المظهرية التامّة لصفاته تعالى الجمالية والكمالية . فقد تجلّى ذاته