محمد هادي معرفة

95

التمهيد في علوم القرآن

ليأخذوه تقاربا مبدئيّا بين إشراكهم والدعوة التي قام بها محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) والتي قامت على محق الشرك وإخلاص الدين الحنيف . ولا سيّما مع تعقيبها بقوله أيضا : « وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً » « 1 » أفهل يلتئم هذا الكلام التوحيديّ الخالص مع تلك الأكذوبة : « وإن شفاعتهنّ لترتجى » ؟ ! * * * وأخيرا فلو صحّت الحكاية لشاعت وذاعت ، ولأخذها المشركون مستمسكا في وجه المسلمين طول الدعوة ، ولم يصدّقوا النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) في دعواه النسخ مهما كلّف الأمر . هذا في حين أنّ التاريخ لم يضبط من تلك الاقصوصة المفتعلة سوى حكايتها عن أناس تأخروا عن ظرفها بزمان بعيد ولم يسجّل التاريخ من يقول : حضرتها ! الأمر الذي يجعلنا قاطعين بكذبها . ولعلّها من الإسرائيليّات المفضوحة التي نسجتها أيدي النكاة بالإسلام ، في عهد سلطة المظالم على أرجاء البلاد الإسلاميّة ، في ظلّ حكومة بنيّ اميّة أعداء الدين والقرآن ، وهذا هو الأرجح في نظرنا . وفي فصول هذا الكتاب الآتية يتّضح موقف هذه الفئة الباغية على الإسلام أكثر . * * * قال الأستاذ هيكل : « حديث الغرانيق حديث ظاهر التهافت ، ينقضه قليل من التمحيص . وهو بعد حديث ينقض ما لكلّ نبي من العصمة في تبليغ رسالات ربّه . فمن العجب أن يأخذ به بعض كتّاب السيرة وبعض المفسّرين المسلمين . ولذلك لم يتردّد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال : إنّه من وضع الزنادقة . لكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تبرير أخذهم هذا ، فاستندوا إلى قوله تعالى : « وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ » . وإلى قوله : « إلّا إذا تمنّى ألقى الشّيطان » ويضيف ( سير وليم موير ) أنّ مرجع المسلمين الذين هاجروا إلى

--> ( 1 ) النجم : 26 .