محمد هادي معرفة
96
التمهيد في علوم القرآن
الحبشة بعد ثلاثة أشهر من إقامتهم هناك لدليل قاطع على صحّة هذه القصة . وهذه الحجج التي يسوقها القائل بصحّة حديث الغرانيق ، حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص : أمّا رجوع المسلمين فكان سببه اضطراب سياسيّ ، عمّ أرجاء الحبشة على أثر ثورة جديدة قامت فيها . أمّا الاحتجاج بالآيات فاحتجاج مقلوب ، لأنّ الآية الأولى لا تشي بوقوع الأمر : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ » . فالآية تقول : إنّ اللّه ثبّته فلم يفعل . وأمّا آية التمنّي فلا صلة لها بحديث الغرانيق ، وقد تقدّم شأنها . ودليل آخر أقوى وأقطع : سياق السورة وعدم احتماله لمسألة الغرانيق ، فإنّها ذمّ صريح ، ولهجة تقريع لا ينسجم وإدراج هكذا جملة ، الأمر الذي لا يكاد يخفى على العرب آنذاك . وأيضا فإنّ وصف آلهة قريش بالغرانيق لم يأت في نظمهم هم ولا في خطبهم ولا شيء من معنى الغرنوق يلائم معنى الآلهة التي وصفها العرب - كما قاله الشيخ محمد عبده - . وبقيت حجّة قاطعة نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه ، من حياة محمد نفسه ، « فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرّب عليه الكذب قط ، حتى سمّي الأمين . وكان صدقه أمرا مسلّما به من الناس جميعا ، فكيف يصدق إنسان أنّه يقول على ربّه ما لم يقل ، ويخشى الناس واللّه أحقّ أن يخشاه ! هذا أمر مستحيل ، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحقّ ولا تداجي فيه لأي اعتبار » « 1 » . * * * والآيتان - من سورة الإسراء وسورة الحج - لا تمسّان قصة الغرانيق في شيء ،
--> ( 1 ) حياة محمد ( محمد حسين هيكل ) : ص 124 - 129 .