محمد هادي معرفة

83

التمهيد في علوم القرآن

وتلقّي كلماته ، فيرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعور واع وبصيرة نافذة ، كمن يرى الشمس في وضح النهار ، لا يحتمل خطأ في إبصاره ولا التباسا فيما يعيه . وهكذا الوحي إذ لم يكن فكرة نابعة من داخل الضمير ، ليحتمل الخطأ في ترتيب مقدّمات استنتاجها . أو إبصارا من بعيد ليتحمّل التباسا في الانطباق « 1 » . بل هي مشاهدة حقيقة حاضرة بعين نافذة . فاحتمال الخطأ فيه مستحيل . * * * تلك طريقة علميّة فلسفيّة « 2 » تهدينا إلى الاعتراف بعدم احتمال الوحي الخطأ أبدا . ومن ثم فإنّ شريعة اللّه النازلة على أيدي رسله الأمناء ، مصونة عن احتمال الخطأ رأسا . وهناك طريقة أخرى عقليّة تحتّم لزوم عصمة الأنبياء ، فيما يبلّغون من شرائع اللّه ، يفصّلها علماء الكلام . وتتلخّص في أنّ النبيّ المبلّغ عن اللّه ، يجب - في ضوء قاعدة اللطف - أن ينعم بصحّة كاملة في أجهزة إحساسه ، وسلامة تامّة

--> ( 1 ) الخطأ إنّما يحتمل في مجالين : إمّا في مجال التفكير أو في مجال الإبصار الخارجي - مثلا - وذلك لأنّ للاستنتاج الفكري شرائط وأحكاما ، إذا ما أهملها المتفكّر فسوف يقع في خطأ التفكير ، وكذلك إبصار العين الخارجيّة إذا كان من بعيد ، فربّما يقع الخطأ فيه من ناحية تطبيق ما عند النفس من مرتكزات ومعلومات على خصوصيّات يراها موجودة في العين الخارجيّة ، فالخطأ إنّما هو في هذا التطبيق النفسي ، لا في العين المشاهدة . لأنّ الإبصار عبارة عن انطباع صورة الخارج - وهي واقعيّة لا تتغيّر - في الشبيكة العصبيّة خلف بؤرة العين . وهذه ظاهرة طبيعيّة تتحقّق ذاتيا إذا ما تحققت شرائطها . نعم كانت النفس هي التي تحكم على ما شاهدته العين بأنّه كذا وكذا ، والخطأ إنّما هو في هذا الحكم ، لا في ذاك الإبصار الطبيعي . إذن فيما أنّ الوحي خارج عن الأمرين ، لا تفكير ولا إبصار من بعيد - مثلا - وإنّما هو لمس حقيقة حاضرة فلا موقع للخطأ فيه أصلا . ( 2 ) راجع : ما كتبه الأستاذ العلّامة الطباطبائي بهذا الصدد في رسالة الوحي « وحي يا شعور مرموز » ص 104 .