محمد هادي معرفة
84
التمهيد في علوم القرآن
في قوى مشاعره ، وفي مقدرته العقليّة ، فيكون مستقيما في آرائه ونظريّاته ، معتدلا في خلقه وسيرته ، مستويا في خلفته وصورته . وبكلمة جامعة : يجب أن يختار اللّه لرسالته إنسانا كاملا في خلقه وخلقه . كي لا يتنفّر الناس من معاشرته ، ويطمئنّوا إلى ما يبلغه عن اللّه . وإلّا كان نقضا لغرض التشريع . فالنبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) معصوم من الخطأ والنسيان ، ولا سيّما فيما يخصّ تبليغ أحكام الشريعة . وهذا إجماع من المسلمين . ومن غيرهم من عقلاء أذعنوا برسالة الأنبياء . ولولاه لكان الالتزام بشرائع الدين سفها يأباه العقل « 1 » . * * * هذا مضافا إلى ما عهد اللّه لنبيّه بالرعاية والحفظ : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 2 » . كان ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) في بدء نزول القرآن ، يخشى أن يفوته شيء فكان يساوق جبرئيل فيما يلقي عليه كلمة بكلمة فنهي عن ذلك : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » « 3 » « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » « 4 » قال ابن عباس : فكان رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بعد ذلك إذا أتاه جبرئيل استمع له ، فإذا انطلق قرأ كما أقرأه « 5 » ، وأخيرا فإنّ قوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 6 » يقطع أيّ احتمال الدسّ والتزوير في نصوص القرآن الكريم . * * * وأمّا احتمال تلبيس إبليس ليتدخّل فيما يوحى إلى النبيّ ( صلى اللّه عليه
--> ( 1 ) راجع : مباحث العصمة من شرح تجريد الاعتقاد : المسألة الثالثة من المقصد الرابع من مباحث النبوّة العامّة ص 195 . ( 2 ) الاعلى : 6 . ( 3 ) القيامة : 16 - 19 . ( 4 ) طه : 114 . ( 5 ) الطبقات : ج 1 ص 132 . ( 6 ) الحجر : 9 .