محمد هادي معرفة

78

التمهيد في علوم القرآن

على أنّ النّبي محمدا ( صلى اللّه عليه وآله ) كان أشرف الأنبياء وأفضل المرسلين وخاتم سفراء ربّ العالمين ، فكان أكرم عليه تعالى من أن يتركه ونفسه يتلوى في أحضان القلق والاضطراب ، خائفا على نفسه مسّ جنون أو الاستحواذ على عقله الكريم - على ما جاءت في روايات آتية لا قيمة لها عندنا - . إذن فقد كان موقف النبىّ ( صلى اللّه عليه وآله ) تجاه نزول الحقّ عليه - في بدء البعثة - موقف إنسان واع بجليّ الأمر ، عارف بحقيقة الحقّ النازل عليه ، في اطمئنان بالغ وسكون نفس وانشراح صدر ، لم يتردّد ولم يشك ولم يضطرب ، كما لم يفزع ولم يفرق . وسنذكر قصّة بدء البعثة على ما جاءت في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) وهي تشرح جوانب من موقف النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) آنذاك ملؤها عظمة وإكبار وأبّهة وجلال . قصة ورقة بن نوفل : تلك كانت قصة البعثة ، وفق ما جاءت في أحاديث أهل البيت ، وهم أدرى بما في البيت ، وإليك الآن حديثا آخر عن بعثة النبي محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) على ما جاءت في روايات غيرهم : روى البخاري ومسلم وابن هشام والطبري وأضرابهم : « بينما كان النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) مختليا بنفسه في غار حراء إذ سمع هاتفا يدعوه ، فأخذه الروع ورفع رأسه وإذا صورة رهيبة هي التي تناديه ، فزاد به الفزع وأوقفه الرعب مكانه ، وجعل يصرف وجهه عمّا يرى ، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعا ويتقدّم ويتأخّر فلا تنصرف الصورة من كلّ وجه يتّجه إليه . وأقام على ذلك زمنا ، ذاهلا عن نفسه ، وكاد أن يطرح بنفسه من حالق من جبل ، من شدّة ما ألمّ به من روعة المنظر الرهيب . وكانت خديجة قد بعثت أثناءه من يلتمس النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) في الغار فلا يجده ، حتى إذا انصرفت الصورة ، عاد هو راجعا ، وقلبه مضطرب ممتلئا رعبا وهلعا ، حتى دخل على خديجة وهو يرتعد فرقا