محمد هادي معرفة
79
التمهيد في علوم القرآن
كأن به الحمّى ، فنظر إلى زوجته نظرة العائذ المستنجد ، قائلا : يا خديجة : ما لي ؟ ! وحدّثها بما رأى ، وأفضى إليها بمخاوفه أن تخدعه بصيرته . قال : لقد أشفقت على نفسي ، وما أراني الّا قد عرض لي « 1 » وقال : إنّ الأبعد - يعني نفسه الكريمة - لكاهن أو مجنون ! فرنت إليه زوجته الوفيّة بنظرة الإشفاق ، وقالت : كلّا يا ابن عم ، ابشر وأثبت ، واللّه لا يخزيك أبدا . فوالذي نفس خديجة بيده ، إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمّة ، إنّك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتقري الضيف ، وتعين على النوائب ، وما أوتيت بفاحشة قط . وهكذا طمأنته بحديثها المرهف . ثم قامت بتجربة ناجحة : قالت : يا ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك ؟ قال : نعم . قالت : فإذا جاءك فأخبرني به . فجاءه الملك كما كان يأتيه . فقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) : يا خديجة ، هذا هو قد جاءني . فقالت : نعم ، فقم يا ابن عم واجلس على فخذي اليسرى . فقام رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) فجلس عليها . فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحوّل واقعد على فخذي اليمنى ، فتحوّل رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) فجلس عليها . فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت فتحوّل واجلس في حجري ، فتحول وجلس في حجرها ، ثم تحسّرت « 2 » وألقت خمارها ، ورسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) جالس في حجرها . فقالت : هل تراه يا ابن عم ؟ قال : لا . فقالت : يا ابن عم ، أبشروا ثبت ، فو اللّه إنّه لملك وما هو بشيطان . ثم توكيدا لما استنتجته من تجربتها ، انطلقت إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل وكان متنصّرا قارئا للكتب ، فقصّت عليه خبر ابن عمّها محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) فقال ورقة : قدّوس قدّوس لئن كنت صدقتني يا خديجة ، فقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى . فقولي له : فليثبت . وأنّه لنبيّ هذه
--> ( 1 ) قال ابن الأثير : أي أصابني مس من الجن . ( 2 ) أي كشفت عن نفسها .