محمد هادي معرفة

67

التمهيد في علوم القرآن

وأخيرا فقد وصف هو ( صلى اللّه عليه وآله ) نزول الوحي عليه بما يدهش : سأله عبد اللّه بن عمر : هل تحسّ بالوحي ؟ فقال : أسمع صلاصل ، ثم أسكت عند ذلك ، فما من مرّة يوحى إليّ إلّا ظننت أنّ نفسي تقبض ! « 1 » . وسأله الحارث بن هشام ، قال : يا رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) كيف يأتيك الوحي ؟ فقال ( صلى اللّه عليه وآله ) : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشدّه عليّ ، فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال « 2 » . وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني ، فأعي ما يقول « 3 » وهو أهونه عليّ » « 4 » . وتذييلا على هذه الرواية - وهي متواترة إلى حد ما - يجب أن ننبّه القارئ على نقاط هامة : أوّلا : صلصلة الجرس في هذه الرواية ، كناية عن صوت متعاقب كصوت الناقوس المصلصل المجلجل ، كان ( صلى اللّه عليه وآله ) يسمع صوتا متداركا كجلجلة الناقوس ، هو صوت الوحي المباشر ، فكان ( صلى اللّه عليه وآله ) ينصت له بكلّ وجوده حتى يتلقاه كملا . وكان ذا وقع شديد على نفسه الكريمة . وهذا التعبير « صلصلة الجرس » يشي بشدّة الوقع ، حيث تتابع الصوت المتدارك يؤثّر على حاسة السمع تأثيرا نافذا في الأعماق ، فكأنّما يأخذ بلبّ القلب ، أخذا متواصلا قويّا ومن ثم قال ( صلى اللّه عليه وآله ) : ظننت أنّ نفسي تقبض . والظاهر أنّ هذه الصلصلة كانت تمهيدا لنزول الوحي عليه ( صلى اللّه عليه

--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 44 . عن مسند أحمد بن حنبل . ( 2 ) سنشرح هذا الكلام فيما ننبّه عليه تاليا . ( 3 ) صحيح البخاري : ج 1 ص 3 . والطبقات : ج 1 ص 132 . وبحار الأنوار : ج 18 ص 260 . والصلصلة : صوت تداكّ الحديد بعضه مع بعض . ( 4 ) هذه الزيادة جاءت في راوية أبي عوانة في صحيحه . راجع فتح الباري ج 1 ص 30 . والإتقان : ج 1 ص 44 .