محمد هادي معرفة
63
التمهيد في علوم القرآن
وآله ) وتكلّم معه ، والنبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) راقد « 1 » . وأمّا نزول الملك عليه بالوحي من غير أن يراه فكثير أيضا ، امّا إلقاء على مسامعه وهو يصغي إليه ، أو إلهاما في قلبه فيعيه بقوّة . قال تعالى : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » « 2 » . كان ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) في أوائل نزول الملك عليه بالوحي ، يخشى أن يفوته اللفظ ومن ثمّ كان يحرّك لسانه وشفتيه ليستذكره ولا ينساه ، فكان يتابع جبرائيل في كلّ حرف يلقيه عليه ، فنهاه تعالى عن ذلك ووعده بالحفظ والرعاية من جانبه تعالى قال : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » « 3 » وربّما كان ( صلى اللّه عليه وآله ) يقرأ على أصحابه فور قراءة جبرئيل عليه ، وقبل أن يستكمل الوحي أو تنتهي الآيات النازلة ، حرصا على ضبطه وثبته ، فنهاه تعالى أيضا وقال : « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » « 4 » فاطمأنه تعالى بالحفظ والرعاية الكاملة . فكان رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بعد ذلك إذا أتاه جبرئيل ، استمع له ، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه « 5 » قال تعالى : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 6 » . وإشارة إلى هذا النحو من الوحي الذي هو نكت في القلب قال ( صلى اللّه عليه وآله ) : « إنّ روح القدس نفث في روعي » « 7 » وهو سواد القلب ، كناية عن السرّ الباطن ، والمقصود : روحه الكريمة .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 20 ص 210 وج 22 ص 331 - 332 ح 43 . ومجمع البيان : ج 8 ص 351 . ( 2 ) الشعراء : 192 - 195 . ( 3 ) القيامة : 16 - 19 . ( 4 ) طه : 114 . ( 5 ) الطبقات : ج 1 ص 132 . ( 6 ) الاعلى : 6 . ( 7 ) الإتقان : ج 1 ص 44 .