محمد هادي معرفة
46
التمهيد في علوم القرآن
وبكلمة جامعة : إنّه لا يمكن لذرّة واحدة من المادّة أن تصلح مرّتين للحياة ، فعند ما يبدو من الحيوان أو الإنسان عمل عضليّ أو عقليّ ، فالجزء من المادّة الحيّة التي صرفت لصدور هذا العمل تتلاشى تماما . وإذا تكرّر العمل فمادّة جديدة تصلح لصدوره ثانية وثالثة وهلمّ جرا . وهذا الإتلاف هو بمناسبة قوّة الظهورات الحيويّة ، فحيثما اشتدّ ظهور الحياة ازداد تلف المادّة الحيّة . نعم هذا التلف الدائم يصحبه تعويض مستمرّ من المادّة المستجدّة الداخلة في الدم بواسطة الهواء والمواد الغذائيّة . وهذان العاملان - أي عامل الاتلاف وعامل التجديد - مرتبطان ببعضهما في الكائن الحي ارتباطا لا ينفصم وبالإجمال يمكن القول : إنّ الاتلاف شرط ضروريّ للتعويض . وهذا العمل الثاني - أي العمل التجديدي وهو عمل باطنيّ سريّ - لا ظهور له في الخارج ، في حين أنّ عوامل الاتلاف تبدو ظاهرة للعيان ، فندعوها « ظواهر الحياة » وما هي إلّا بوادر الموت ، لأنّ ظهورها لا يتمّ إلّا بإتلاف جزء من انسجتنا العضويّة . ينتج ممّا تقدّم : أنّ في وسط تنازع هذين العاملين ، يتجدّد جسمنا مرارا عديدة في مدار الحياة . ويتمّ هذا التجديد على ما ارتأى الفزيولوجي « موليشوت » في كلّ ثلاثين يوما . أمّا « فلورنس » فيزعم أنّ ذلك لا يتمّ إلّا في سبع سنين . وقد قام هذا العلّامة بامتحانات على الأرانب أثبت فيها تجدّد عظامها ذرّة فذرّة في مدة محدودة . وبعد فإنّ ناكري النفس يزعمون أنّ قوّة الذاكرة عبارة عن اهتزازات فسفوريّة تتخزّن في القلية العصبيّة من الدماغ بعد وصول التأثيرات الخارجيّة إليها ! فإن صحّ ذلك - وإذ تقرّر أنّ كلّ ما فينا من العظام والأنسجة العضليّة والقلالي العصبيّة تتلاشى وتتجدّد في مدة معلومة لا تتجاوز السبع سنين - اقتضى لقوّة الذاكرة أن تتناقص فينا بالتدريج ، إلى أن تتلاشى في كلّ سبع