محمد هادي معرفة
47
التمهيد في علوم القرآن
سنوات ، وأن نضطرّ في كلّ سبع سنين إلى تجديد كلّ ما تعلمناه سابقا ، والحال انّنا نشعر بأنّ الأمر ليس كذلك وأنّ تيار المادّة المتجدّدة فينا باتصال ، لم تحدث أدنى تغيير في ذاكرتنا . وانّ أمورا حدثت لنا أيام الصبا تخطر على بالنا زمن الهرم . وبالإجمال : كلّ ما فينا يؤيّد ثبات شخصيتنا ، وعدم تغيّرها ، رغما عن استبدال كلّ ذرّات كياننا المادّي . وهذا دليل قاطع على وجود قوّة روحيّة فينا تدعى « النفس » يقيها جوهرها البسيط من التحوّلات والتقلّبات على المادّة الهيوليّة ، وفيها ينطبع ذكر الحوادث الماضية والعلوم التي اكتسبناها بإجهاد العقل والفكر . * * * وقد يعترض البعض : بأنّ الخلايا المخيّة في تنقّلات ذرّاتها تدريجيا ، لعلّها تنقل ما عليها من صور ونقوش ذاكريّة ، إلى ذرّات مستجدّة ، كما تنتقل قسمات الوجه وألوان منطبعة على ظاهر الجسد ، وحتى الخال ، إلى ذرّات جديدة من البشرة ، ومن ثم يبقى شكل الجسد ولون الخال طول الحياة ، وبذلك يعلّل - أيضا - ظاهرة بقاء الذاكرة المنتقلة من ذرّات فانية إلى ذرّات مستجدّة في المخّ . لكن فات هذا المعترض : أنّ المنتقل من الصفات الباقية ، هي الطبيعيّة الناتجة من داخل الذات ، لا العارضة التي طرأت من أحوال المحيط الخارج . مثلا : لون الخال إنّما يبقى ، أي ينتقل من ذرّات فانية إلى ذرّات مستجدّة ، لأنّه طبيعيّ ذاتيّ ، فلا بدّ أنّ نفس الذرّات التي كانت تشكّل ظاهرة الخال في حالة سابقة ، أن تتبدّل وتتجدّد إلى ذرّات أخرى تشكّل نفس الظاهرة أيضا . أمّا الصفات العارضة كاللون العارض من لفحة الشمس ، فإنّها تخصّ ذرّات الجسم المواجهة للعوامل الأولى ، فإذا فنيت تلك الذرّات المواجهة تدريجيا ، فإن اللون العارض أيضا يذهب تدريجيا ، ما لم تتجدّد تلك العوامل الأولى . وعليه فإنّ التي تودعها ذرّات مخيّة فانية إلى ذرات مستجدّة ، هي صفات