محمد هادي معرفة
361
التمهيد في علوم القرآن
ليست لغتهم ، فكان لا بدّ أن يقع في تلفّظهم لحن ، ومن ثم كثر التصحيف في القراءات ، وهال المسلمين ذلك . حكى أبو أحمد العسكري « 1 » أن الناس غبروا يقرءون في مصحف عثمان نيفا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان ، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق ، ففزع الحجاج بن يوسف إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات . فيقال : إنّ نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا وأزواجا وخالف بين أماكنها . . . « 2 » . وقال الأستاذ الزرقاني : أوّل من نقّط المصحف هو يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم تلميذا أبي الأسود الدؤلي « 3 » . أوّل من شكّل المصحف : وهكذا كان الخطّ العربيّ آنذاك مجرّدا عن التشكيل ( علائم حركة الكلمة وإعرابها ) وبطبيعة الحال كان المصحف الشريف خلوا عن كلّ علامة تشير إلى حركة الكلمة أو إعرابها . بيد أنّ القرآن في الصدر الأوّل كان محفوظا في صدور الرجال ومأمونا عليه من الخطأ واللحن ، بسبب أنّ العرب كانت تقرؤه صحيحا حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت . أضف إلى ذلك شدّة عنايتهم بالأخذ والتلقي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوّة . فقد توفّرت الدواعي على حفظه وضبطه صحيحا حينذاك . أمّا وبعد منتصف القرن الأوّل حيث كثر الدخلاء وهم أجانب عن اللغة فإنّ السليقة كانت تعوزهم ، فكانوا بأمسّ حاجة إلى وضع علائم ودلالات
--> ( 1 ) في كتاب التصحيف : ص 13 . ( 2 ) ابن خلكان : ج 2 ص 32 في ترجمة الحجاج . ( 3 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 399 .