محمد هادي معرفة
362
التمهيد في علوم القرآن
تؤمن عليهم الخطأ واللحن . مثلا : لفظة « كتب » كانت العرب تعرف بسليقتها الذاتيّة ، أنّها في قوله تعالى : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » « 1 » تقرأ مبنيّا للفاعل ، وفي قوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ » « 2 » مبنيّا للمفعول . أمّا الرجل الأعجميّ فكان يشتبه عليه قراءتها معلومة أو مجهولة . كما أنّ أبا أسود سمع قارئا يقرأ : « أنّ اللّه برى من المشركين ورسوله » « 3 » - بكسر اللام - فقال : ما ظننت أنّ أمر الناس آل إلى هذا ، فرجع إلى زياد بن أبيه - وكان واليا على الكوفة ( 50 - 53 ه ) وكان قد طلب إليه أن يصنع شيئا يكون للناس إماما ، ويعرف به كتاب اللّه ، فاستعفاه أبو الأسود ، حتى سمع بنفسه هذا اللحن في كلام اللّه - فعند ذلك عزم على إنجاز ما طلبه زياد « 4 » فقال : أفعل ما أمر به الأمير ، فليبغ لي كاتبا مجيدا يفعل ما أقول . فأتوه بكاتب من عبد قيس فلم يرضه ، فأتوه بآخر وكان واعيا فاستحسنه . قال أبو الأسود للكاتب : إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه من أعلاه . وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف « 5 » وفي لفظ ابن عياض : زيادة قوله : فإذا أتبعت ذلك غنّة فاجعل النقطة نقطتين ففعل « 6 » . وظلّ الناس بعد ذلك يستعملون هذه النقط علائم للحركات ، غير أنهم
--> ( 1 ) الأنعام : 54 . ( 2 ) البقرة : 183 . ( 3 ) التوبة : 3 . ( 4 ) يقال : إنّ زيادا هو الذي دبّر هذه الطريقة ليجبر بها أبا الأسود على قبول ما طلبه منه . فأوعز إلى رجل من أتباعه أن يقعد في طريق أبي الأسود ويتعمّد اللحن في القراءة ( تركي عطية : الخطّ العربيّ الإسلاميّ : ص 26 ) و ( يوسف أحمد : الخطّ الكوفي : ص 23 ) . ( 5 ) الفهرست : ص 46 الفنّ الأوّل من المقالة الثانية . ( 6 ) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ، السيد حسن الصدر : ص 52 .