محمد هادي معرفة
283
التمهيد في علوم القرآن
تمحيص الرأي المعارض : ما قدّمناه هو المعروف عن رواة الآثار ، وعند الباحثين عن شؤون القرآن ، منذ الصدر الأوّل فإلى يومنا هذا ، ويوشك أنّ يتّفق عليه كلمة أرباب السير والتواريخ ولكن مع ذلك نجد من ينكر ذاك التفصيل في جمع القرآن ، ويرى أنّ القرآن بنظمه القائم وترتيبه الحاضر كان قد حصل في حياة الرسول ( صلى اللّه عليه وآله ) . وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من علماء السلف كالقاضي وابن الأنباري والكرماني والطيبي « 1 » ، ووافقهم علم الهدى السيد المرتضى ( قدس سره ) قال : كان القرآن على عهده ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن . واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عيّن جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنّه كان يعرض على النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) ويتلى عليه . وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) عدّة ختمات . وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث « 2 » . لكن حفظ القرآن هو بمعنى : حفظ جميع سوره التي اكتملت آياتها ، سواء أكان بين السور ترتيب أم لا . وهكذا ختم القرآن هو بمعنى : قراءة جميع سوره من غير لحاظ ترتيب خاصّ بينها . أو الحفظ كان بمعنى الاحتفاظ على جميع القرآن النازل لحدّ ذاك والتحفظ عليه دون الضياع والتفرقة ، الأمر الذي لا يدلّ على وجود ترتيب خاصّ كان بين سوره كما هو الآن . هذا . وقد ذهب إلى ترجيح هذا الرأي أيضا ، سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي
--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 62 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 1 ص 15 .