محمد هادي معرفة
261
التمهيد في علوم القرآن
لهجته ، ثقة في إخباره ، حذرا واعيا يتجنّب الحدس والتخمين ، ولا يخبر إلّا عن علم ، ولا يروي إلّا عن يقين . . فإنّ مثله مصدّق ولو كان غائب المشهد . . ومن ثم نعتمد قول خيار الصحابة . . ولو لم يصرّح بحضوره المشهد ، وكذا إخبار التابعين لهم بإحسان ، ومن بعدهم من أئمّة صادقين . . ولنفس السبب نعتمد أقوال أئمّتنا المعصومين بشأن تفسير القرآن ، تنزيله وتأويله ، لأنّهم أعرف الخلق بعلوم القرآن ظاهره وباطنه ، سوى أنّ المهمّ هو العلم بصحّة الإسناد إليهم أو تواتر النقل وقليل ما هو . . العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد : هذه قاعدة اصوليّة مطّردة في جميع أحكام الشريعة المقدّسة ، فما يصدر من منابع الوحي والرسالة بشأن بيان أحكام اللّه وتكاليفه للعباد ، ليس يخصّ موردا دون مورد ، ولم يأت الشرع لمعالجة حوادث معاصرة ، وإنّما هو شرع للجميع . . الأمر الذي دعا بالفقهاء إلى إلغاء الخصوصيات المورديّة والأخذ بإطلاق الحكم ، إن لفظيّا أو مقاميّا ، حسب المصطلح . هذا بالنسبة إلى كافة أحكام الشريعة ، سنّة وكتابا ، وإن كان في الكتاب آكد . وقد عرفت صريح الروايات بهذا العموم في آيات القرآن . فكلّ ما في القرآن من أحكام وتكاليف واردة في الآيات الكريمة ، فإنّما ينظر إليها الفقهاء من الوجه العامّ ، ولا يأبهون بخصوص المورد إطلاقا . نعم هناك بعض الخطابات مع فئات معهودة ، صدرت على نحو القضيّة الخارجيّة « 1 » ، فإنّها لا تعم بلفظها ، وإن كانت قد تعم بملاكها ، إذا كان قد أحرز يقينا . . وفي القرآن منه كثير . .
--> ( 1 ) من مصطلح علم الميزان ( المنطق ) وهو عبارة عن معهوديّة الموضوع في القضيّة ، كقولك : أكرم من في المسجد أو في المدرسة ، تريد من هو في مسجد البلد أو مدرسته في الحال الحاضر . وليس في كلّ الأزمان وكلّ المساجد والمدارس على الإطلاق .