محمد هادي معرفة
217
التمهيد في علوم القرآن
وربّما كانوا يأخذون منهم تعاليم أو معارف ممّا يخصّ خلق السماوات والأرض ، فكانت مشهورة بين العرب المشركين ، فهذا الردّ - لو صحّ أنّه ردّ - لا يدلّ على أنّه نزل بالمدينة ! فلعلّ الرواية القائلة بأنّها نزلت في اليهود ، إنّما تعني ما ذكرنا ، أي نزلت في تعاليم كانوا بثّوها بين العرب . والشاهد على أنّ الآية مكيّة : ما جاء تفريعا عليها : « فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ . . . » * التي هي من آيات الصفح المكيّة ، والتي نسخت فيما بعد . 33 - سورة النجم : مكيّة استثني منها قوله : « . . . هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » « 1 » . أخرج الواحدي عن ثابت بن الحرث الأنصاري ، قال : كانت اليهود تقول - إذا هلك لهم صبيّ صغير - : صدّيق . فبلغ ذلك رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) فقال : كذبوا ، ما من نسمة يخلقها اللّه في بطن امّه إلا انّه شقيّ أو سعيد ، فأنزل اللّه عند ذلك : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ . . . » « 2 » . قلت لو صحّت الرواية فلا دلالة فيها على نزول الآية بالمدينة ، فلعلّ قولة اليهود - وهم يبثّون تعاليمهم الفاسدة بين العرب - بلغت الرسول ( صلى اللّه عليه وآله ) وهو بمكة ، فنزلت الآية بها ! لكن الرواية المذكورة لا مساس لها بفحوى الآية رأسا ، لأنّ قوله : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ . . . » تعليل لقوله : « واسع المغفرة » . يعني : إنّ هذا الإنسان مفطور على اقتراف مطاليب أرضيّة سافلة وفقا لفطرته البشريّة المتركّبة من نزعات ورغبات ، واللّه أعلم بذلك ، ومن ثم عهد
--> ( 1 ) النجم : 32 . ( 2 ) لباب النقول بهامش الجلالين : ج 2 ص 89 . والدر المنثور : ج 6 ص 128 .