محمد هادي معرفة

173

التمهيد في علوم القرآن

وقيل : نزلت في مشركي قريش ، حيث أنكروا النبوّات رأسا « 1 » . قال أبو جعفر الطبري : وأولى هذه الأقوال بالصواب ، هو القول الأخير ، إذ لم يجر لليهود ذكر قبل ذلك . وليس إنكار نزول الوحي على بشر ممّا تدين به اليهود ، بل المعروف من دينهم الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود . ولم يكن الخبر بأنّها نزلت في اليهود خبرا صحيحا متصل السند ، ولا أجمع المفسّرون على ذلك . وكان سياق السورة من أوّلها إلى هنا جاريا في المشركين ، فناسب أن تكون هذه الآية أيضا موصولة بما قبلها لا مفصولة منه . فلم يجز لنا أن ندّعي فصلها إلّا بحجّة قاطعة من خبر أو عقل . ولعلّ الذي أوقع هذا القائل في الوهم المذكور ما وجده في قوله تعالى : « تَجْعَلُونَهُ . . . » على وجه الخطاب . ولكن الأصوب من القراءة أنّها بياء الغيبة « 2 » . قلت : ونحن إذ نصادق أبا جعفر في هذا التحقيق ، نضيف اليه : أنّ القصة التي ذكروها بشأن مالك بن الصيف في محاورته تلك مع النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) تتنافى تماما مع خلق رسول اللّه الكريم ، النبيّ لا يجرح من عاطفة إنسان إطلاقا ، كما وننزّه كتاب اللّه العزيز عن التعرّض لهكذا أمور تافهة لا قيمة لها ، أو تنزل بشأنها آية ! ! إذن فقوله : « وعلمتم . . . » خطاب موجّه إلى المشركين ، بعد تلك الحكاية - بصورة الغيبة كما رجّحها أبو جعفر - عن أهل الكتاب . وأمّا القراءة المشهورة بتاء الخطاب في الجميع ، فلا تستدعي اختصاص الخطاب بأهل الكتاب ، بل إلى البشرية باعتبار فعل بعضهم ممّن نزل عليهم الكتاب . ولا سيّما ومساس العرب المشركين مع اليهود ومخالطتهم معهم في الجزيرة ، ومن ثمّ جاء الكلام عن بني إسرائيل في سور مكيّة كثيرا ، كما في

--> ( 1 ) تفسير الطبري : ج 7 ص 177 . ومجمع البيان : ج 4 ص 333 . ( 2 ) جامع البيان : ج 7 ص 178 . وهكذا وافقه سيد قطب في ظلال القرآن : ج 7 ص 302 - 303 .