جعفر شرف الدين
236
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
غرورا أنّ اللّه راض عنه ، وتخيّل أنه لن يحاسبه على ظلمه وأفعاله . وإذا امتحنه بالفقر فضيّق عليه رزقه وقتره ، فلم يوسع عليه ، فيقول إنّ ربي أذلّني بالفقر ، ولم يشكر اللّه على ما وهبه له ، من سلامة الجوارح ، وما رزقه من الصّحة والعافية . قال الإمام محمد عبده : « وأنت ترى أنّ أحوال الناس إلى اليوم لا تزال كما ذكر اللّه في هذه الآية الكريمة ، فإنّ أرباب السلطة والقوة يظنون أنهم في أمن من عقاب اللّه ، ولا يعرفون شيئا من شرعه يمنعهم عن عمل ممّا تسوق إليه شهواتهم ، وإنّما يذكرون اللّه بألسنتهم ، ولا تتأثّر قلوبهم بهذا الذكر . وقريب من هذه المعاني قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ( 22 ) [ المعارج ] . « تعلم أن المخاطبين بهذه الآيات كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم ( ع ) ، أو أنهم كانوا يدّعون أنّ لهم دينا يأمرهم وينهاهم ، ويقرّبهم إلى اللّه زلفى ، فإذا سمعوا هذا التهديد وذلك الوعيد ، وسوست لهم نفوسهم بأن هذا الكلام إنّما ينطبق على أناس ممّن سواهم ؛ أمّا هم ، فلم يزالوا من الشاكرين الذاكرين غير الغافلين » ، فاللّه جلّ جلاله يردّ عليهم زعمهم ويقيم لهم دليلا واضحا على كذب ما تحدّثهم به أنفسهم ، ويقول : [ الآية 17 ] : كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) أي لو كان غنيّكم لم يعمه الطّغيان ، وفقيركم لم يطمس بصيرته الهوان ، لشاطرتم اليتيم إحساسه ، فواسيتموه وعطفتم عليه ، حتّى ينشأ كريم النفس . [ الآية 18 ] : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وقد كان مجتمع مكّة مجتمع التكالب على جمع المال بكافّة الطرق ، فورثت القلوب القسوة والبخل ، وانصرفت عن رحمة اليتيم ، وعن التعاون على رحمة المسكين . [ الآية 19 ] : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ( 19 ) والتراث هو الميراث الذي يتركه من يتوفّى ، أي إنّكم تشتدّون في أكل الميراث حتّى تحرموا صاحب الحقّ حقّه . [ الآية 20 ] : وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) وتميلون إلى جمع المال ميلا شديدا ، يصل إلى حدّ الشراهة .