جعفر شرف الدين

129

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )

عالية ، يشرب منها المقربون إلى رضوان ربهم . وقد سئل ابن عبّاس عن هذا فقال : هذا ممّا قال اللّه تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) [ السجدة ] . « وقصارى ما سلف ، أنّه ، سبحانه ، وصف النعيم الذي أعدّه للأبرار في دار كرامته بما تتطلع اليه النفوس ، وبما يشوّقها اليه ، ليكون حضّا للذين يعملون الصالحات على الاستزادة من العمل ، والاستدامة عليه ؛ وحثّا لهمم المقصرين ، واستنهاضا لعزائمهم أن يحرصوا على التزوّد من العمل الصالح ، ليكون لهم مثل ما لأولئك » « 1 » . [ الآيات 29 - 33 ] : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) : كانوا يضحكون منهم استهزاء بهم وسخرية منهم ، إمّا لفقرهم ورثاثة حالهم ، وإمّا لضعفهم عن ردّ الذي ، وإمّا لترفّعهم عن سفاهة السفهاء ؛ فكلّ هذا ممّا يثير ضحك الذين أجرموا ، وهم يتّخذون المؤمنين مادّة لسخريتهم ، أو فكاهتهم المرذولة . وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) يغمز بعضهم لبعض بعينه ، أو يشير بيده ، أو يأتي بحركة متعارف عليها بينهم للسخرية من المؤمنين ، وإذا انقلب هؤلاء الضالّون إلى أهلهم ، ورجعوا إلى بيوتهم ، رجعوا إليها فكهين ملتذّين بحكاية ما يعيبون به أهل الايمان ، إذ يرمونهم بالسّخافة وقلّة العقل ، وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) أي وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال ؛ لأنهم نبذوا العقائد الفاسدة ، وتركوا عبادة الأصنام . ولم يرسل اللّه ، سبحانه ، الكفّار رقباء على المؤمنين ، ولا كلّفهم بمحاسبتهم على أفعالهم ، فما لهم وهذا الوصف ، وهذا التقرير . روي أن عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، جاء في نفر من المسلمين ، فرآه بعض هؤلاء الكفّار ، فسخروا منه وممّن معه ، وضحكوا منهم ، وتغامزوا بهم ، ثمّ رجعوا إلى جماعتهم من أهل الشرك ، فحدّثوهم بما صنعوا به ، وبأصحابه . والآيات ترسم مشهدا لسخرية

--> ( 1 ) . تفسير المراغي للأستاذ أحمد مصطفى المراغي ، ط 3 ، مصطفى البابي الحلبي ، 30 / 82 .