جعفر شرف الدين

130

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )

المجرمين من المؤمنين ، وقد يكون لنزولها سبب خاص ، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ ففي الآيات تعبير واقعي عن سخرية القويّ الفاجر من المؤمن الصابر ، ممّا يدل على أن طبيعة الفجّار المجرمين واحدة ، متشابهة ، في موقفها من الأبرار ، في جميع البيئات والعصور . يقول الإمام محمد عبده : « من شأن القويّ المستعز بكثرة أتباعه وقدرته ، أن يضحك ممن يخالفه في المنزع ، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوّة وأقلّ عددا ؛ كذلك كان شأن جماعة من قريش ، كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأتباعهم ؛ وهكذا يكون شأن أمثالهم في كلّ زمان متى عمّت البدع ، وتفرّقت الشيع ، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل ، وجهل معنى الدين ، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه ، ولم يبق الا ظواهر لا تطابقها البواطن » « 1 » . [ الآيات 34 - 36 ] : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) أي في يوم القيامة ؛ والكفّار محجوبون عن ربهم ، يقاسون ألم هذا الحجاب ؛ يضحك المؤمنون ، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق ، فسرّ به ؛ وينكشف للمؤمنين ما كانوا يرجون من إكرام اللّه لهم ، وخذلان أعدائهم ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) وهمّ على سررهم في الجنة ينظرون إلى صنع اللّه بأعدائهم ، وإذلاله لمن كان يفخر عليهم ، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم ، جزاء وفاقا . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) ؟ أي أنهم ينظرون ليتحقّقوا : هل جوزي الكفّار ، بما كانوا يفعلون بهم في الدنيا ؛ وإنما سمّي الجزاء على العمل ثوابا ، لأنه يرجع إلى صاحبه نظير ما عمل من خير أو شر . و ( ثوّب ) مثل أثاب ، بمعنى جازى ، يقع في الخير وفي الشر ، وإن كان قد غلب الثواب في الخير . أي هل جوزي الكفّار بما كانوا يفعلون ؟ مقاصد السورة 1 - وعيد المطفّفين .

--> ( 1 ) . تفسير جزء عمّ ، للأستاذ الإمام محمد عبده ، الطبعة السادسة ، مطابع الشعب ، ص 37 .