جعفر شرف الدين

24

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )

والكبر جائزان معا على ذات المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما ، وكذلك الضيق والسعة ؛ وإذا اختار الصانع أحد الجائزين ، وهو متمكن منهما على السواء ، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه . فإن قيل : قوله تعالى : لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [ الآية 16 ] بيان وتقرير لبروزهم في قوله تعالى : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [ الآية 16 ] واللّه تعالى لا يخفى عليه شيء ، برزوا أو لم يبرزوا ؟ قلنا : معناه لا يخفى على اللّه منهم شيء في اعتقادهم أيضا ، فإنهم كانوا في الدنيا يتوهّمون إذا تستّروا بالحيطان والحجب أنّ اللّه لا يراهم ، ويؤيده قوله تعالى : وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) [ فصلت ] . فإن قيل : لم قال المؤمن في حق موسى ( ع ) كما ورد في التنزيل : وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [ الآية 28 ] مع أنه صادق في زعم القائل لهذا القول ، وفي نفس الأمر أيضا ، ويلزم من ذلك أن يصيبهم جميع ما وعدهم لا بعضه فقط ؟ قلنا : فيه وجوه : أحدها أن لفظة بعض صلة . الثاني : أنها بمعنى « كل » كما في قول الشاعر : إنّ الأمور إذا الأحداث دبّرها دون الشّيوخ ترى في بعضها خللا ومنه قول لبيد : أو لم تكن تدري نوار بأنني * وصّال عقد حبائل جذّامها ترّاك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النّفوس حمامها قلنا : ولقائل أن يقول : إن لفظة بعض في البيتين على حقيقتها ، وكنى لبيد ببعض النفوس عن نفسه ، كأنه قال : أتركها إلى أن أموت ، وكذا فسّره ابن الأنباري ؛ على أنّ أبا عبيدة قال : إن لفظة « بعض » في الآية بمعنى كل ، واستدل ببيت لبيد ؛ وأنكر الزمخشري على أبي عبيدة هذا التفسير ؛ على أن غير أبي عبيدة قال في قوله تعالى حكاية عن عيسى ( ع ) لأمّته : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [ الزخرف / 63 ] أن لفظة « بعض » فيه بمعنى كل . الثالث : أنها على أصلها . ثم في ذلك وجهان : أحدهما أنه وعدهم النجاة إن آمنوا ، والهلاك إن كفروا ، فذكر لفظة بعض لأنهم على إحدى الحالتين لا