جعفر شرف الدين
126
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
الأصيل بينهم وهم يعملون السيئات ، وبين المؤمنين الذين يعملون الصالحات ؛ والقرآن يشعرهم بأن هناك فارقا أصيلا في ميزان اللّه بين الفريقين : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) . ونرى فريقا من الناس لا يعرف حكما يرجع إليه إلّا هواه فهو إلهه الذي يعبده ، ويطيع كل ما يراه ؛ نرى هذا الفريق مصوّرا تصويرا فذا في هذه الآية التي تبدي العجب من أمره ، وتشهّر بغفلته وعماه . أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) . أرأيت كيف تناولت هذه السورة الهادئة ، أصناف المشركين وفرقهم المناوئة للدعوة ؟ وربما كان هؤلاء جميعا فريقا واحدا من الناس يصدر منه هذا وذاك ، ويصفه القرآن في السورة هنا وهناك ، كما يجوز أن يكونوا فرقا متعددة . وعلى أي حال فقد واجه القرآن هؤلاء الناس بصفاتهم تلك وتصرفاتهم ، وتحدث عنهم في هذه السورة ذلك الحديث ، كذلك واجههم اللّه تعالى بآياته في الآفاق ، وفي أنفسهم ، وفي البر والبحر ؛ يقول سبحانه : اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 13 ) . ويستغرق الدرس الأول من السورة الآيات [ 1 - 23 ] . عناد الكافرين وعقابهم يوم الدين يشمل الدرس الثاني من السورة الآيات [ 24 - 37 ] . ويبدأ بعرض أقوال المشركين عن الآخرة وعن البعث والحساب ، ودعواهم أنّ الأيام تمضي ، والدهر ينطوي ، فإذا هم أموات ، والدهر في ظنهم هو الذي ينهي آجالهم ، ويلحق بأجسامهم الموت فيموتون ؛ وقد فنّد القرآن هذه الدعوى وبيّن أنّها لا تستند إلى حقيقة أو يقين ، وإذا قرعتهم