جعفر شرف الدين
124
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
والإساءة والإحسان « 1 » وبيان شريعة الإسلام والإيمان ، وتهديد العصاة والخائنين من أهل الإيمان ، وذم متابعي الهوى ، وذل الناس في المحشر ، ونسخ كتب الأعمال من اللوح المحفوظ ، وتأبيد الكفار في النار وتحميد الرب المتعال بأوجز لفظ وأفصح مقال « 2 » ، في قوله جلّ وعلا : فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 36 ) . سمات السورة لاحظنا أن سورة الدخان تتميز بقصر الآيات ، وعنف الإيقاع فيها كأنه مطارق تقرع القلوب . وسورة الجاثية بجوارها تسير في يسر وهوادة وإيضاح هادئ وبيان دقيق عميق . واللّه سبحانه خالق القلوب ، ومنزل هذا القرآن ، يأخذ القلوب تارة بالقرع والطرق ، وتارة باللمس الناعم الرفيق ، وتارة بالبيان الهادئ الرقيق ، حسب تنوّعها هي وأخلافها . فمن الناس من ينفع معه الزجر والوعيد ، ومنهم من يأسره التوجيه الهادي الرشيد ، والقلب الواحد يتقلّب على حالات متعدّدة ، واللّه يختار له ما يناسب ، وهو سبحانه اللطيف الخبير ، السميع البصير . وقد كان من دعاء النبي ( ص ) : « اللهم يا مقلّب القلوب والأبصار ، ثبّت قلبي على دينك » ، فقالت عائشة : يا رسول اللّه أراك تكثر من هذا الدعاء . . . فقال النبي : يا عائشة ، إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف يشاء . منهج السورة تصوّر سورة الجاثية جانبا من استقبال المشركين للدعوة الإسلامية ، وطريقتهم في مواجهة حججها وآياتها ، وتعنّتهم في مواجهة حقائقها وقضاياها ، واتّباعهم للهوى اتّباعا كاملا ، في غير ما تحرّج من حقّ واضح ، أو برهان ظاهر . كذلك تصوّر كيف كان القرآن يعالج قلوبهم الجامحة ، الشاردة مع الهوى ، المغلقة دون الهدى . وهو يواجهها بآيات اللّه القاطعة ، العميقة التأثير والدلالة ، ويذكّرهم بعذابه ،
--> ( 1 ) . لعلّه يقصد الإشارة إلى آيات اللّه الكونية في نفع العباد في الدنيا ثم في عقوبة الكفّار في الآخرة . ( 2 ) . بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 1 / 426 .