ابراهيم الأبياري

354

الموسوعة القرآنية

ثم منهم من قال : إن الرجز ليس بشعر أصلا ، لا سيما إذا كان مشطورا أو منهوكا ، وكذلك ما كان يقارنه في قلة الأجزاء . ويقولون : إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه على الطريق الذي يتعمد ويسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه ، وما يتفق من كل واحد فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر ، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر ، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض كان الناس كلهم شعراء ، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه ؛ ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه أغلق الباب وائتني بالطعام ، ويقول الرجل لأصحابه أكرموا من لقيتم من تميم ، ومتى تتبع الإنسان هذا عرف أن يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه ، وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد ليس يعده أهل الصناعة سرقة ، إذا لم تعلم فيه حقيقة الأخذ كقوله امرئ القيس : وقوفا بهم صحبى على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتحميل وكقوله طرفة : وقوفا بها صحبى على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد ومثل هذا كثير ، فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع فيه فكذلك لا يمتنع وقوعه في الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه ، فإذا اتفق لم يكن ذلك شعرا ، وكذلك يمتنع التوارد على بيتين ، وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما ، فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعدّ شعرا ، وإنما يعدّ شعرا ما إذا قصده صاحبه تأتى له ولم يمتنع عليه ، فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له وإنما يعرض في كلامه عن غير قصد إليه لم يصح أن يقال إنه شعر ، ولا إن صاحبه شاعر ، ولا يصح أن يقال : إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا لأنه لو قصده لكان يتأتى منه ، وإنما لم يصح ذلك لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد ، وما كان شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد ؛ ألا ترى أن السوقي قد يقول اسقني الماء يا غلام سريعا قد يتفق ذلك من الساهي ومن لا تقصد النظم ، فأما الشعر إذا بلغ الحدّ الذي بينا فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه .