ابراهيم الأبياري
353
الموسوعة القرآنية
وهذا من الخفيف لا يقع مقصودا إليه ، وإنما يقع مغمورا في الخطاب . فكذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدرونه ، ويقال لهم : لو كان وكما ضمنه في شعره من قوله : سبحان من سخر هذا لنا * حقّا وما كنا له مقرنين فزاد فيه حتى انتظم له الشعر . وكما يقولونه في قوله عز وجل : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً . فَالْمُورِياتِ قَدْحاً . ونحو ذلك في القرآن كثير ، كقوله : وَالذَّارِياتِ ذَرْواً . فَالْحامِلاتِ وِقْراً . فَالْجارِياتِ يُسْراً وهو عندهم شعر من بحر البسيط . والجواب عن هذه الدعوى التي ادّعوها من وجوه . أولها : أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن لو كانوا يعتقدونه شعرا ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم لبادروا إلى معارضته ، لأن الشعر مسخر لهم سهل عليهم فيه ما قد علمت من التصرّف العجيب والاقتدار اللطيف ، فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ولا عوّلوا عليه علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة والمرمدون في هذا الشأن . وإنّ استدراك من يجيء الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن ذهب أولئك النفر عنه ، وخفى عليهم شدة حاجاتهم إلى الطعن في القرآن والغض عنه واتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه . فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن وهو بالجهل حقيق ، وإذا كان كذلك علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال شديد ، وهو أنهم قالوا : إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا ، وأقل الشعر بيتان فصاعدا ، وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام . وقالوا أيضا : إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف رويهما وقافيتهما فليس بشعر . ( - 23 - الموسوعة القرآنية - ج 2 )