ابراهيم الأبياري
344
الموسوعة القرآنية
دون الهجو ، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح ، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين ، ومنهم من يجوز في التأبين دون التقريظ ، ومنهم من يغرب في وصف الإبل والخيل أو سير الليل ، أو وصف الروض . أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعراء ويتداوله الكلام ، ولذلك ضرب المثل : بامرئ القيس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وبزهير إذا رغب ، ومثل ذلك يختلف في الخطيب والرسائل وسائر أجناس الكلام . ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها ، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى ، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره . ثم نجد في الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلا ، ومنهم من ينظم القصيد ، ولكن يقصر فيه مهما تكلفه أو عمله ، ومن الناس من يجود في الكلام المرسل ، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا عجيبا ، ومنهم من يوجد بضد ذلك . وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حدّ واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف ، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ، ولا إسفال فيه إلى الرتبة الدنيا . وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة ، فرأينا الإعجاز في جميعه على حدّ واحد لا يختلف . وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت ، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة ، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ، لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار ، وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن . ومعنى رابع : وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل ، والعلوّ والنزال ، والتقريب والتبعيد ، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عن النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع ، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عن التنقل من معنى إلى غيره ، والخروج من باب إلى سواه ، حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه