ابراهيم الأبياري

258

الموسوعة القرآنية

منها : نطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقلات والسلامة من الاستمرار على منوال واحد . مثاله من المتكلم إلى الخطاب ، ووجهه حثّ السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عناية تختص بالمواجهة ، قوله تعالى : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الأصل ، وإليه أرجع ، فالتفت من المتكلم إلى الخطاب ، ونكتته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه ، وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريد لهم ما يريد لنفسه ، ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى اللَّه تعالى ، ومن أمثلته أيضا قوله تعالى : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ . ومثاله من التكلم إلى الغيبة ، ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب ، وأنه ليس في كلامه ممن يتلون ويتوجه ويبدي في الغيبة خلاف ما نبديه في الحضور قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ والأصل : لنغفر لك . ومثاله من الخطاب إلى التكلم لم يقع في القرآن ، ومثل له بعضهم : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ، ثم قال : إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا ، وقيل : إن المثال لا يصح لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا . ومثاله من الخطاب إلى الغيبة : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ والأصل بكم ، ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم التعجب من كفرهم وفعلهم ، إذ لو استمرّ على خطابهم لفاتت تلك الفائدة ، وقيل : لأن الخطاب أولا من الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فلو كان « وجرين بكم » للزم الذي للجميع ، فالتفت عن الأول للإرشاد إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكروه عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخاص . ومثاله من الغيبة إلى المتكلم : اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ . ومثاله من الغيبة إلى الخطاب : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا .