ابراهيم الأبياري

238

الموسوعة القرآنية

ومنها : أنه تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله ، ثم أوضح الأمر في عجزهم بأن كرّر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأىّ نظم جاءوا وبأىّ عبارة عبروا . ومنها : أنه لما تحداهم قال : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفى بها لقال العربي ائتونا أنتم بسورة من مثله ، فأنزلها اللّه سبحانه وتعالى في تعداد السور فعالجتهم من كل وجه . ومنها : أن القصة الواحدة لما كرّرت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير ، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى ، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متبانية في النظم ، وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حبّ التنقل في الأشياء المتجددة واستلذاذها بها ، وإظهار خاصة القرآن حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللفظ ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين . وقيل : ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص ؟ وأجيب بوجوه : أحدها : أن فيها تشبيب النسوة به ، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس جمالا ، فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والستر . ثانيها : أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة ، بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس ، وقوم نوح ، وهود ، وصالح وغيرهم ، فلما اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص . ثالثها : إنما كرّر اللّه قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب ، كأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لهم : إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص . رابعها : هو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم ، فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة وترويج النفس بها والإحاطة بطرفيها .