ابراهيم الأبياري

195

الموسوعة القرآنية

ومنها : أن نفى الأظلمية لا يستدعى نفى الظالمية ، لأن نفى المقيد لا يدل على نفى المطلق ، وإذا لم يدل على نفى الظالمية لم يلزم التناقض ، لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية ، وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر ، لأنهم يتساوون في الأظلمية ، وصار المعنى : لا أحد أظلم ممن افترى ، ومن منع ، ونحوهما ، ولا إشكال في تساوى هؤلاء في الأظلمية ، ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر ، كما إذا قلت : لا أحد أفقه منهم ، ونفى التفضيل لا يلزم منه نفى المساواة . وقيل : هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة ، ولا نفيها عن غيره . وإذا تعارضت الآي ، وتعذر فيها الترتيب والجمع ، طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخر ، ويكون ذلك نسخا ، وإن لم يعلم وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها . ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوصفين . وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين نحو : وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب والجر ، ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل ، والجرّ على مسح الخف . وجماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض ، وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة ، ولا يوجد في الكتاب والسنة شئ من ذلك أبدا ، وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين ، ويجوز تعارض اى القرآن والآثار وما يوجبه العقل ، فلذلك لم يجعل قوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ معارضا لقوله : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً و إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير اللَّه ، فتعين تأويل ما عارضه ، فيؤول ( وتخلقون ) على تكذبون ، و ( تخلق ) على تصوّر . والاختلاف على وجهين : اختلاف تناقض ، وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر ، وهذا هو الممتنع على القرآن . واختلاف تلازم ، وهو ما يوافق الجانبين كاختلاف وجوه القراءة ، واختلاف مقادير السور والآيات ، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ ، والأمر والنهى ، والوعد والوعيد .