ابراهيم الأبياري
375
الموسوعة القرآنية
مكتوب يزحم شغلهم بما هو متلوّ ، أو يعادله . وأخذ الرسم يملى برسمه ويقوّمه الحفظ في عهد لم يكن الصحابة منه أبعدوا كثيرا عن عهد نزول القرآن . وما كانت الأمة العربية عهد كتابة الوحي أمة عريقة في الكتابة ، وما كان كتّاب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إلا صورة من العصر البادئ في الكتابة ، ولم تكن الكتابة العربية بالأمس البعيد على حالها اليوم من التجويد والكمال إملاء ورسما . وإن نظرة في رسم المصحف ، وما يحمل من صور إملائية تخالف ما استقر عليه الوضع الإملائى أخيرا ، لتكشف لك عما كان العرب عليه إملاء ، وعما أصبحنا عليه نحن . وحين أطل عهد عثمان كاد اختلاف الناس في قراءة المرسوم يجر إلى خروجهم على المحفوظ ، من أجل هذا فزع عثمان إلى نفر من الصحابة كتبوا للرسول وحيه ، ليدركوا هذا المرسوم ، كي يخرجوا منه بصورة خطيّة تصوّر ما أجمع عليه الحفّاظ . وقد لا يفوتك أن الخط العربي عصر كتابة الوحي إلى أيام عبد الملك بن مروان لم يكن عرف النقط المميّز للحروف في صورته الأخيرة ، كما لم يكن عرف شكل الكلمات ، وبقي المصحف المرسوم ينقصه النّقط في صورته الأخيرة وينقصه الشّكل ، وعاش يحميه حفظ الحفاظ من اللحن . غير أن الأمة العربية كانت قد انتشرت وأظلّ الإسلام تحت لوائه أمما مختلفة ، وأصبح الحفظ في هذه البيئة الواسعة ، وبين هؤلاء الأقوام المختلفين ، لا يغنى غناءه أيّام أن كانت البيئة محدودة والأقوام غير مختلفين ، من هنا كان لا بد من نقط وشكل على يد « الحجّاج » كما مرّ بك . ولقد كانت هذه المراحل التي مرّ بها جمع القرآن وكتابته ونقطه وشكله نتيجة لقصور الكتابة العربية والخطّ العربي . إذ لو كانا في كمالهما اليوم لما احتاج القرآن في رسمه إلى مرحلة بعد مرحلة ، ولكتب يوم أن كتب للمرة الأولى في صورة أخيرة . ونحن بحمد اللّه ، على الرغم من بعد عهدنا بنزول القرآن ، لم نبعد عن وعيه كما أنزل ، تصديقا لقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ، غير أنه يجب أن يلفتنا إلى قرآننا ما لفت الشيخين أبا بكر وعمر إليه ، ثم ما لفت عثمان إليه ، ثم ما لفت الحجّاج إليه . فهذه لفتات أحسّ فيها أصحابها الخوف من أن يمسّ القرآن سوء ، فجمعوه للناس مكتوبا يوم أن خافوا ذهاب الحفّاظ . ثم جمعوا الناس على مصحف واحد يوم أن خافوا تفرق الناس على مصاحف ، ثم نقطوه وضبطوه يوم أن خافوا أن يتفرّق الناس في قراءته .