ابراهيم الأبياري

359

الموسوعة القرآنية

يقول الزمخشري محمود بن عمر في كتابه « الكشاف « 1 » » : وَالصَّابِئُونَ ( المائدة : 69 ) رفع على الابتداء ، والنية به التأخير عما في حيز « إن » من اسمها وخبرها ، كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك ، وأنشد سيبويه « 2 » شاهدا له : وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق أي : فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك . فإن قلت : هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها ؟ قلت : لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر ، لا تقول : إن زيدا وعمرو منطلقان . فإن قلت : لم لا يصح والنّية به التأخير ، فكأنك قلت : إن زيدا منطلق وعمرو ؟ قلت : لأنى إذا رفعته عطفا على محل « إن » واسمها ، والعامل في محلهما هو الابتداء ، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر ، لأن الابتداء ينتظم الجزءين في عملهما كما تنتظمهما « إن » في عملها ، فلو رفعت « الصابئون » والمنويّ به التأخير بالابتداء ، وقد رفعت الخبر بأن ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين . فإن قلت : فقوله « والصابئون » معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو ؟ قلت : مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا محل لها ، كما لا محل للتي عطفت عليها . فإن قلت : ما التقديم والتأخير إلا لفائدة ، فما فائدة هذا التقديم ؟ قلت : فائدته التنبيه على أن « الصابئين » أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيّا ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها ، أي خرجوا . كما أن الشاعر قدم قوله « وأنتم » تنبيها على أن المخاطبين أو غل في الوصف بالبغاة من قومه ، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو « بغاة » ، لئلا يدخل قومه في البغى قبلهم ، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما . فإن قلت : فلو قيل : والصابئين وإياكم ، لكان التقديم حاصلا ؟ قلت : لو قيل هكذا لم يكن من التقديم في شئ ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه ، وإنما يقال : مقدم ومؤخر ، للمزال لا للقارّ في مكانه ، ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام . وقال الزمخشري « 3 » : وَالْمُقِيمِينَ ( النساء : 162 ) نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، وهو باب واسع . وقد كسّره سيبويه على أمثلة وشواهد ، ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف .

--> ( 1 ) الكشاف : ( 1 : 660 - 661 طبعة الاستقامة ) . ( 2 ) الكتاب : ( 1 : 290 ) . ( 3 ) الكشاف ( 1 : 590 ) .